فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 381

وَكَيْفَمَا كَانَ فَعِلَّةُ الكراهةِ موجودةٌ، إلا أنَّها تختلِفُ رتبتُها. فإنْ أجزنَا الإفطارَ: كانتْ رتبةُ هذهِ الكراهةِِ أخفَّ من رتبةِ الكراهةِِ فِي الصَّومِ الواجبِ قطعًا. وإنْ مَنَعْنَاهُ فهلْ يكونُ كالكراهةِ فِي تعريضِ الصَّومِ المفروضِ بأصلِ الشَّرْعِ؟ فيهِ نظرٌ. فيحتملُ أنْ يقالَ: يستويانِ؛ لاستوائِهمَا فِي الوجوبِ. ويحتملُ أنْ يقالَ: لا يستويانِ؛ لأنَّ ما ثبتَ بأصلِ الشَّرعِ فالمصالحُ المتعلِّقةُ به أقوَى وأرجحُ. لأنها انتهضتْ سببًا للوجوبِ. وأمَّا ما ثبتَ وجوبُه بالنذرِ - وإن كانَ مساويًا للواجبِ بأصلِِ الشَّرعِ فِي أصلِ الوجوبِ - فلا يساويهِ فِي مقدارِ المصلحةِ. فإنَّ الوجوبَ ههنَا إنَّما هو للوفاءِ بما التزمَهُ العبدُ للهِ تعالى. وأن لا يدخلَ فيمنْ يقولُ ما لاَ يفعلُ. وهذا بمفردهِ لا يقتضِي الاستواءَ فِي المصالحِ. وَمِمَّا يؤيِّدُ هذَا النظرَ الثَّانِي؟ ما ثبتَ فِي الحديثِ الصَّحيحِ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن النَّذرِ, مع وجوبِ الوفاءِ بالنَّذرِِ. فلو كان مطلقُ الوجوبِ مِمَّا يقتضِي مساواةَ المنذورِ بغيرهِ من الواجباتِ: لكانَ فِعْلُ الطاعةِ بعدَ النَّذرِ أفضلَ من فعلِها قبلَ النَّذرِ. لأنهُ حينئذٍ يدخلُ تحتَ قولِه تعالَى فيمَا رُويَ عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما معناهُ: (( أنهُ ما تقرَّبَ المتقرِّبونَ إِلَيَّ بمثلِ أداءِِ ما افترضْتُ عليهمْ ) )ويُحملُ ما تقدَّمَ من البحثِ على أداءِ ما افْتُرِضَ بأصلِ الشَّرعِ، لأنهُ لو حُمِلَ على العمومِ لكانَ النذرُ وسيلةً إِلَى تحصيلِ الأفضلِ. فكانَ يجبُ أنْ يكونَ مستحبًّا، وهذا على إجراءِ النهيِ عنِ النَّذرِ على عمومهِ.

198 -الحديثُ الأوَّلُ: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِِ العاصِ، رضيَ اللهُ عنهمَا، قالَ: أُخْبِرَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنِّي أقُولُ: واللهِ لأصُومنَّ النَّهارَ، ولأَقُومَنَّ الْلَيلَ، ما عِشْتُ، فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنْتَ الّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟ ) )فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي، فقالَ: (( فإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، وذَلكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ ) )قلتُ: فإنِّي أُطيِقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قالَ: (( فَصُمْ يَوْمًا وَأفْطرْ يَوْمَيْنِ ) )، قلت: أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلكَ، قالَ: (( فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُدَ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامُ ) )، فقلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قال: (( لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ) ).

وَفِي روايةٍ: (( لاَ صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي دَاوُدَ - شَطْرَ الدَّهْرِِ - صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا ) ).

فيه ستُّ مسائلَ:

الأُولَى: (( صومُ الدَّهرِ ) )ذهبَ جماعةٌ إِلَى جوازِه. منهمْ مالكٌ والشافعيُّ. ومنعَهُ الظاهريَّةُ للأحاديثِ التِي وردتْ فيهِ، كقولهِ عليهِِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( لا صَامَ منْ صَامَ الأبَدَ ) )وغيرِ ذلكَ. وتأوَّلَ مخالفُوهُمْ هذا علَى مَن صامَ الدهرَ، وأدخلَ فيه الأيَّامَ المنهيَّ عن صومِهَِا، كيومَيْ العيدينِ وأيامِ التَّشريقِ، وكأنَّ هذا محافظةٌ على حقيقةِ صومِ الأبدِ. فإنَّ مَن صامَ هذهِ الأيَّامَ معَ غيرِها: هوَ الصائمُ للأبدِ. ومن أفطرَ فيهَا لم يَصمِِ الأبدَ، إلا أنَّ فِي هذَا خُروجًا عنِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ، وهو مدلولُ لفظةِ: (( صامَ ) )فإنَّ هذه الأيامَ غيرُ قابلةٍ للصَّومِ شرعًا. إذْ لاَ يتصوَّرُ فيهَا حقيقةُ الصَّومِ، فلا يحصلُ حقيقةُ (( صامَ ) )شرعًا لمنْ أمسكَ فِي هذهِ الأيامِ. فإنْ وقعتِ المحافظةُ على حقيقةِ لفظِ (( الأبدِ ) )فقدْ وقعَ الإخلالُ بحقيقةِ لفظِ (( صامَ ) )شرعًا، فيجبُ أنْ يُحملَ ذلكَ على الصَّومِ اللُّغويِّ. وإذا تعارضَ مدلولُ اللُّغةِ، ومدلولُ الشَّرعِ فِي ألفاظِ صاحبِ الشَّرعِ، حُمِلَ على الحقيقةِ الشَّرعيَّةِ.

ووجهٌ آخرُ: وهوَ أنَّ تعليقَ الحكمِ بصومِ الأبدِ يقتضِي ظاهرُه: (( أنَّ الأبدَ ) )متعلَّقُ الحكمِِ من حيثُ هو (( أبدٌ ) )، فإذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت