فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 381

وَفِي قولِهِ عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( لولا الهجرةُ ) )وما بعدهُ: إشارةٌ عظيمةٌ بفضيلةِ الأنصارِ.

وقولُه: (( لكنتُ امرأً من الأنصارِ ) )، أي فِي الأحكامِ والعِدادِ، والله ُأعلم. ُ ولا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ: النسبَ قطعًا.

وقولهُ: (( الأنصارُ شعارٌ، والناسُ دثارٌ ) ) (( الشِّعارُ ) )الثوبُ الذِي يلي الجَسَدَ، و (( الدِّثارُ ) )الثُّوبُ الذِي فوقَهُ، واستعمالُ اللفظينِ مجازٌ عن قربِهِمْ واختصَاصِهِمْ، وتمييزهِم على غيرِهِمْ فِي ذلكَ.

وقولُه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( إنكم ستلقونَ بعدي أَثَرَةً ) )عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ إِذْ هوَ إخبارٌ عن أمرٍ مستقبلٍ وقعَ على وَفْقِ ما أخبرَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والمرادُ بالأثَرَةِ: استئثارُ النَّاسِ عليهمْ بالدُّنيا، واللهُ أعلمُ بالصَّوَابِ.

بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

177 -الحديثُ الأوَّلُ: عَنِ عبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ - أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ وَالأنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَفِي لَفْظٍ: أَنْ تُؤدَّى قَبْلَ خُرُوِجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ.

المشهورُ مِن مذاهبِ الفُقهاءِ. وجوبُ زكاةِ الفِطرِ، لظاهرِ هذَا الحديثِ, وقولِهِ: (( فَرَضَ ) ). وذهبَ بعضُهمِ إِلَى عدَمِ الوُجوبِ، وحمَلوا (( فَرَضَ ) )على معنى قَدَّر، وهو أصلُهُ فِي اللغَةِ، لكنَّه نُقِل فِي عُرفِ الاستعمالِ إِلَى الوُجوبِ، فالحَمْلُ عليهِ أوْلَى؛ لأنه ما اشتهَرَ فِي الاستعمالِ فالقصدُ إليهِ هو الغالِبُ.

وقولهُ: (( رمضانَ ) )وَفِي روايةٍ أُخرَى: (( مِن رمَضَانَ ) )قد يتعلَّقُ به من يَرَى: أنَّ وقتَ الوجوبِ: غروبُ الشَّمسِ من ليلةِ العيدِ، وقد يتعلَّقُ بهِ من يرَى أنَّ وقتَ الوجوبِ: طلوعُ الفجرِ مِن يومِ العيدِ، وكلاَ الاستدلالينِ ضعيفٌ؛ لأنَّ إِضَافَتَهُمَا إِلَى الفِطرِ مِن رمضانَ لا يَستلزِمُ أنه وقتُ الوجوبِ، بل يقتضِي إضافةَ هذهِ الزكاةِ إِلَى الفطرِ مِن رمضانَ، فيقالُ حينئذٍ بالوجوبِ، لظاهرِ لفظةِ: (( فَرضَ ) )ويؤخذُ وقتُ الوجوبِ من أمرٍ آخرَ.

وقولُهُ: على الذَّكرِ والأنثَى، والحرِّ، والمملوكِ, يقتضِي وجوبَ الإخراجِ عنْ هؤلاءِ، وإنْ كانت لفظةُ: (( على ) )تقتضِي الوجوبَ عليهمْ ظاهرًا. وقد اختلفَ الفقهاءُ فِي أنَّ الذِي يخرَجُ عنهمْ: هلْ باشَرَهُم الوجوبُ أَوْ لا؟ والمُخرِجُ يتحمَّلُه، أم الوجوبُ يلاقِي المُخرِجَ أو لا؟ فقد يتمسَّكُ مَن قالَ بالقولِ الأولِ بظاهرِ قولِهِ: علَى الذَّكِرِ والأنثَى، والحرِّ والمملوكِ, فإنَّ ظاهرَهُ يقتضِي تعلُّقَ الوجوبِ بهمْ. كما ذكرنَا. وشرطُ هذا التَّمَسُّكِ: إمكانُ ملاقاةِ الوجوبِ للأصلِ.

و (( الصاعُ ) )أربعةُ أمدادٍ. والمُدُّ: رَطْلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ. وخالفَ فِي ذلكَ أبو حنيفةَ، وجعلَ الصَّاعَ ثمانيةَ أرطالٍ، واستدلَّ مالكٌ بنقلِ الخَلَفِ عن السَّلفِ بالمدينةِ. وهو استدلالٌ صحيحٌ قويٌّ فِي مثلِ هذَا. ولمَّا ناظرَ أبا يوسفَ بحَضرَةِ الرشيدِ فِي المسألةِ رجعَ أبو يوسفَ إِلَى قولِه، لما استدلَّ بما ذكرناهُ.

وقولُهُ: صاعًا مِن تمرٍ، أو صاعًا مِن شعيرٍ, بيانٌ لجنسِ المُخرَجِ فِي هذهِ الزَّكاةِ. وقد وردَ تعيينُ أجناسٍ لهَا فِي أحاديثَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت