فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 381

عندَ هؤلاءِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بيعِ المُعَلَّمِ مِنْهُ حديثٌ فِي ثبوتِه بحثٌ، يُحَالُ عَلَى علمِ الحديثِ.

وَأَمَّا (( مَهْرُ البَغِيِّ ) )، فَهُوَ مَا يُعْطَاهَا عَلَى الزنا، وسُمِّيَ مهرًا عَلَى سبيلِ المجازِ، أَوْ استعمالًا للوضعِ اللُّغَوِيِّ، ويجوزُ أن يكونَ مِن مجازِ التشبيهِ، إن لم يكنْ (( المَهْرُ ) )فِي الوضعِ مَا يُقَابَلُ بِهِ النكاحُ.

و (( حُلْوَانُ الكاهِنِ ) )هُوَ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كَهَانَتِه، والإِجماعُ قائمٌ عَلَى تحريمِ هذينِ؛ لما فِي ذَلِكَ من بذلِ الأعواضِ فيما لاَ يجوزُ مقابلتُه بالعوضِ، أَمَّا الزنا فظاهرٌ، وَأَمَّا الكهانةُ فبطلانُها وأخذُ العوضِ عَنْهَا من بابِ أكلِ المالِ بالباطلِ، وَفِي معناها كلُّ مَا يمنعُ مِنْهُ الشرعُ من الرجمِ بالغيبِ.

265 -الحديثُ العاشرُ: عن رافعِ بنِ خَديجٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَمَنُ الكلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ ) ).

إطلاقُ (( الخبيثِ ) )عَلَى ثمنِ الكلبِ يقتضِي التعميمَ فِي كلِّ كلبٍ، فإن ثبتَ تَخْصِيصُ شيءٍ مِنْهُ، وَإِلاَّ وَجَبَ إجراؤُه عَلَى ظاهرِه، والخبيثُ من حَيْثُ هُوَ لاَ يدلُّ عَلَى الحُرْمَةِ صريحًا، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي كسبِ الحجَّامِ (( أَنَّهُ خبيثٌ ) )، ولم يُحْمَلْ عَلَى التحريمِ، غيرَ أن ذَلِكَ بدليلٍ خارجٍ، وَهُوَ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( احتجمَ، وأَعْطَى الحجَّامَ أجرَه، وَلَوْ كَانَ حرامًا لم يُعْطِه ) )، فإن ثبتَ أن لفظةَ (( الخبيثِ ) )ظاهرةٌ فِي الحرامِ، فَخُرُوجُها عن ذَلِكَ فِي كسبِ الحجَّامِ بدليلٍ، لاَ يلزمُ مِنْهُ خروجُها فِي غيرِه بغيرِ دليلٍ.

وَأَمَّا (( الكلبُ ) )، فَإِذَا قيلَ بثبوتِ الحديثِ الَّذِي يدلُّ عَلَى جوازِ بيعِ كلبِ الصيدِ، كَانَ ذَلِكَ دليلًا عَلَى طهارتِه، وَلَيْسَ يدلُّ النهيُ عن بيعِه عَلَى نجاستِه؛ لأن عِلَّةَ منعِ البيعِ مُتَعَدِّدَةٌ لاَ تَنْحَصِرُ فِي النجاسةِ.

266 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن زيدِ بنِ ثابتٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، (( أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا ) ). وَلِمسلمٍ: (( بِخَرْصِهَا تَمرًا، يأكلونُها رُطَبًا ) ).

اخْتَلَفُوا فِي تفسيرِ (( العَرِيّةِ ) )المُرَخَّصِ فِيهَا، فعندَ الشَّافعيِّ هُوَ بيعُ الرُّطَبِ عَلَى رؤوسِ النخلِ بقدرِ كيلِه من التمرِ خَرْصًا، فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ، وعندَ مَالكٍ صورتُه أن يُعْرِيَ الرجلُ - أي يَهَبَ - ثمرةَ نخلةِ أَوْ نَخَلَاتٍ، ثُمَّ يَتَضَرَّرُ بِمُدَاخَلةِ الموهوبِ لَهُ، فَيَشْتَرِيها مِنْهُ بِخَرْصِِها تمرًا، وَلاَ يجوزُ ذَلِكَ لغيرِ ربِّ البستانِ، ويشهدُ لِهَذَا التأويلِ أمرانِ: أحدُهما: أن العريّةَ مشهورةٌ بينَ أهلِ المدينةِ، مُتَدَاوَلَةٌ فيما بينَهم، وَقَدْ نَقَلَها مَالكٌ هكذا. وَالثَّانِي: قولُه: (( لصاحبِ العريَّةِ ) )، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ باختصاصِه بصفةٍ يتميَّزُ بِهَا عن غيرِه، وَهِيَ الْهِبَةُ الواقعةُ، وأَنْشَدُوا فِي تفسيرِ العرايا بالْهِبَةِ قولَ الشاعرِ:

وَليست بسَنْهاءَ وَلاَ رَجْبِيَّةٍ ولكنَّ عَرَايا فِي السنينَ الجوائحِ

وقولُه فِي الحديثِ: (( بِخَرْصِهَا ) )فِي هَذِهِ الروايةِ تَقَيُّدٌ بغيرِها، وَهُوَ بيعُها بخرصِها تمرًا، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بإطلاقِ هَذِهِ الروايةِ لِمَنْ يُجَوِّزُ بيعَ الرطبِ عَلَى النخلِ بالرطبِ عَلَى النخلِ خَرْصًا فيهما، وبالرطَبِ عَلَى وجهِ الأرضِ كيلًا، وَهُوَ وجهٌ لبعضِ أصحابِ الشَّافعيِّ، والأصحُّ المنعُ؛ لأن الرخصةَ وَرَدَتْ للحاجةِ إِلَى تحصيلِ الرطبِ، وَهَذِهِ الحاجةُ لاَ توجدُ فِي حقِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت