مُعْتَبَرًا، لم يَجُزْ إطراحُه وإلحاقُ غيرِه مِمَّا لاَ يساويه بِهِ، وَلاَ شكَّ أن عدمَ الشعورِ وَصْفٌ مناسبٌ لعدمِ التكليفِ والمؤاخذةِ، والْحُكْمُ عُلِّقَ بِهِ. فَلاَ يمكنُ إطراحُه بإلحاقِ العمدِ بِهِ؛ إذ لاَ يساويه. فإن تَمَسَّكَ بقولِ الراوي: (( فَمَا سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ، إِلاَّ قَالَ: افعلْ، وَلاَ حرجَ ) ). فَإِنَّهُ قَدْ يُشْعِرُ بأن الترتيبَ مُطْلَقًا غيرُ مراعًى فِي الوجوبِ، فجوابُه أنَّ الروايَ لم يَحْكِ لفظًا عامًّا عن الرسولِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقتضِي جوازَ التقديمِ والتأخيرِ مطلقًا، وإنما أخبرَ عن قولِه، عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ: (( لاَ حرجَ ) ). بالنسبةِ إِلَى كلِّ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِن التقديمِ والتأخيرِ حينئذٍ، وَهَذَا الإخبارُ من الراوي، إِنَّمَا تَعَلَّقَ بما وقعَ السؤالُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مُطْلَقٌ بالنسبةِ إِلَى حالِ السؤالِ، وكونِه وقعَ عن العمدِ أَوْ عدمِه، والمُطْلَقُ لاَ يدلُّ عَلَى أحدِ الخاصَّين بعينِه، فَلاَ يَبْقَى حجَّةً فِي حالِ العمدِ، واللهُ أعلمُ.
246 -الحديثُ السادسُ: عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ النَّخَعِيِّ: (( أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابنِ مَسْعُودٍ. فَرَآهْ رَمَى الجَمرَةَ الْكُبْرَى بِسْبعِ حصياتٍ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنىً عَنْ يَمِيِنهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مقَامُ الَّذِي أُنْزِلتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ).
فِيْهِ دليلٌ عَلَى رميِ الجمرةِ الكبرى بسبعٍ كغيرِها، ودليلٌ عَلَى استحبابِ هَذِهِ الكيفيةِ فِي الوقوفِ لرميِها، ودليلٌ عَلَى أن هَذِهِ الجمرةَ تُرْمَى مِن بطنِ الوادي، ودليلٌ عَلَى مراعاةِ كلِّ شيءٍ مِن هيئاتِ الحجِّ التي وَقَعَتْ مِن الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ قَالَ ابنُ مسعودٍ: (( هَذَا مقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورةُ البقرةِ ) )قاصدًا بِذَلِكَ الإعلامَ بِهِ، ليُفْعَلَ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ قولِنا: (( سورةُ البقرةِ ) )وَقَدْ نُقِلَ عن الحجَّاجِ بنِ يُوسُفَ أَنَّهُ نَهى عن ذَلِكَ. وأمرَ أن يقالَ: (( السورةُ التي تُذْكَرُ فِيْهَا البقرةُ ) )فَرُدَّ عَلَيْهِ بِهَذَا الحديثِ.
247 -الحديثُ السابعُ: عن عبدِ اللّهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( اللهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ. قالوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اللهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يارسولَ اللهِ، قالَ وَالمُقَصَّرِينَ ) ).
الحديثُ دليلٌ عَلَى جوازِ الحلقِ والتَّقصيرِ معًا، وَعَلَى أنَّ الحلقَ أفضلُ؛ لأن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهَرَ فِي الدعاءِ للمُحَلِّقِينَ، واقتصرَ فِي الدعاءِ للمُقَصِّرِينَ عَلَى مرةٍ. وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي أن هَذَا كَانَ فِي الحديبيةِ، أَوْ فِي حجَّةِ الوداعِ. وَقَدْ وردَ فِي بَعْضِ الرواياتِ مَا يدلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الحديبيةِ. ولعلَّهُ وقعَ فيهما معًا، وَهُوَ الأقربُ. وَقَدْ كَانَ فِي كلا الوقتينِ توقُّفٌ مِن الصحابةِ فِي الحَلْقِ. أَمَّا فِي الحديبيةِ فلأنهم عَظُمَ عليهم الرجوعُ قبلَ تمامِ مقصودِهم، مِن الدخولِ إِلَى مكَّةَ وكمالِ نُسُكِهِمْ. وَأَمَّا فِي الحجِّ فلأنهم شَقَّ عليهم فَسْخُ الحجِّ إِلَى العمرةِ. وَكَانَ مَن قصَّرَ مِنْهُمْ شَعْرَهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أخفُّ مِن الحلقِ، إذ هُوَ يدلُّ علي الكراهةِ للشيءِ. فَكَرَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدعاءَ للمُحَلِّقِينَ؛ لأنهم بادَرُوا إِلَى امتثالِ الأمرِ، وَأَتَمُّوا فِعْلَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِن الحلقِ. وَقَدْ وَرَدَ التصريحُ بهذه العالةِ فِي بَعْضِ الرواياتِ. فقيلَ: (( لأنَّهُم لم يشُكُّوا ) ).
248 -الحديثُ الثامنُ: عن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (( حَجَجْنا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فقلتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّهَا حائِضٌ.