فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 381

عَلَى اختصاصِ القراءةِ بالأُوليينِ فإنَّهُ ظاهرُ الحديثِ، حَيْثُ فرَّقَ بَيْنَ الأُوليينِ والأخريينِ فيمَا ذكرَهُ مِنْ قراءةِ السُّورةِ وعدمِ قراءتِهَا، وَقَدْ يَحتملُ غيرَ ذَلِكَ، لاحتمالِ اللفظِ لأنْ يكونَ أرادَ تخصيصَ الأُوليَيْنِ بالقراءةِ الموصوفةِ بِهَذِهِ الصِّفةِ، أعنِي التَّطويلَ فِي الأُولَى والتقصيرَ فِي الثانيةِ.

الثَّالثُ: يدلُّ عَلَى أنَّ الجهرَ بالشَّيءِ اليسيرِ مِن الآياتِ فِي الصَّلاةِ السِّرِّيةِ جائزٌ مغتفرٌ لاَ يُوجبُ سهوًا يقتضِي السُّجودَ.

الرابعُ: يدلُّ عَلَى استحبابِ تطويلِ الرَّكعةِ الأُولى بالنِّسبةِ إِلَى الثانيةِ، فيمَا ذُكرَ فِيْهِ، وَأَمَّا تطويلُ القراءةِ فِي الأُولَى بالنِّسبةِ إِلَى القراءةِ فِي الثَّانيةِ، ففيهِ نظرٌ وسؤالٌ عَلَى مَن رأى ذَلِكَ، لكنَّ اللَّفظَ إِنَّمَا دلَّ عَلَى تطويلِ الرَّكعةِ، وَهُوَ مُتردِّدٌ بَيْنَ تطويلِها بمحضِ القراءةِ، وبمجموعٍ، مِنْهُ القراءةُ، فمنْ لَمْ يرَ أنْ يكونَ مَعَ القراءةِ غيرُها، وحَكمَ باستحبابِ تطويلِ الأُولَى، مستدلاًّ بِهَذَا الحديثِ: لمْ يتمَّ لَهُ إلاَّ بدليلٍ مِن خارجٍ، عَلَى أنَّهُ لمْ يكنْ مَعَ القراءةِ غيرُها.

ويمكنُ أنْ يجابَ عَنْهُ بأنَّ المذكورَ هُوَ القراءةُ، والظاهرُ أنَّ التطويلَ والتقصيرَ راجعانِ إِلَى مَا ذُكرَ قبلهُمَا، وَهُوَ القراءةُ.

الخامسُ: فِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الاكتفاءِ بظاهرِ الحالِ فِي الأخبارِ، دونَ التوقُّفِ عَلَى اليقينِ، لأنَّ الطَّريقَ إِلَى العِلمِ بقراءةِ السُّورةِ فِي السِّرِّيةِ لاَ يكونُ إلاَّ بسماعِ كلِّها، وَإِنَّمَا يفيدُ اليقينُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الجهريَّةِ، وكأنَّهُ أخَذَ من سماعِ بعضِهَا، مَعَ قيامِ القرينةِ عَلَى قراءةِ باقيِها.

فإنْ قلتَ: قَدْ يكونُ أَخذَ ذَلِكَ بإخبارِ الرَّسولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قلتُ: لفظةُ (( كَانَ ) )ظاهرةٌ فِي الدَّوامِ والأكثريَّةِ، ومَن ادَّعىَ أنَّ الرَّسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخبرُهمْ عقيبَ الصَّلاةِ دائمًا، أَوْ أكثريًّا بقراءةِ السُّورتينِ، فَقَدْ أبعدَ جدًّا.

101 -الحديثُ الثَّالثُ: عن جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، رضيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ.

102 -الحديثُ الراَّبعُ: عن البراءِ بنِ عازبٍ، رضيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سفرٍ، فصلَّى الْعِشاءَ الآخِرةَ، فَقَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَمَا سمِعْتُ أَحدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ.

(( جُبيرُ بنُ مُطْعِمٍ ) )بنِ عدِّي بنِِ نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ، قرشيٌّ نوفَليٌّ، يكنَى أبا محمَّدٍ، ويقالُ: أبو عديٍّ، كَانَ مِنْ حُكماءِ قريشٍ وساداتِهمْ، وَكَانَ يُؤخذُ عَنْهُ النَّسبُ، أسلمَ فيمَا قِيلَ يومَ الفتحِ، وقيلَ: عامَ خيبرَ، وماتَ بالمدينةِ سنةَ سبعٍ وخمسينَ، وقيلَ: سنةَ تسعٍ وخمسينَ، وحديثُه وحديثُ البراءِ الَّذِي بعدَه يتعلَّقانِ بكيفيةِ القراءةِ فِي الصَّلاةِ، وَقَدْ وردَ عنِ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أفعالٌ مختلفةٌ فِي الطُّولِ والقِصَرِ، وصنَّفَ فيها بعضُ الحُفَّاظِ كتابًا مفردًا، وَالَّذِي اختارهُ الشَّافعيَّةُ التطويلُ فِي قراءةِ الصُّبحِ والظهرِ، والتقصيرُ فِي المغربِ، والتوسُّطُ فِي العصرِ والعشاءِ، وغيرُهمْ يوافقُ فِي الصُّبحِ والمغربِ، ويخالفُ فِي الظُّهرِ والعصرِ والعشاءِ، واستمرَّ العملُ مِنَ النَّاسِ عَلَى التَطويلِ فِي الصُّبحِ، والقصرِ فِي المغربِ، وَمَا وردَ عَلَى خلافِ ذَلِكَ مِن الأحاديثِ، فإنْ ظهرتْ لَهُ عِلَّةٌ فِي المُخَالفةِ فَقَدْ يُحملُ عَلَى تلكَ العلَّةِ، كَمَا فِي حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ المذكورِ، فإنهُ ذكرَ (( أنهُ فِي السَّفرِ ) )فمنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت