فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 381

اقْتَضَى ذَلِكَ تحريمَ النَّساءِ، وَقَدْ اشتملَ الحديثُ عَلَى الأمرينِ معًا، حَيْثُ مَنَعَ ذَلِكَ بَيْنَ الذهبِ بالوَرِقِ، وَبَيْنَ البُرِّ بالبُرِّ والشعيرِ بالشعيرِ، فإن هذينِ فِي الجنسِ الواحدِ، والأَوَّلُ فِي جنسينِ جَمَعَتْهُمَا علَّةٌ واحدةٌ.

277 -الحديثُ الثَّانِي: عن أَبِي سعيدٍ الخدريِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، إِلاَّ مِثْلًا بِمْثلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بالْوَرِقِ، إِلاَّ مِثْلًا بِمْثلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ) ). وَفِي لفظٍ: (( إِلاَّ يَدًا بِيَدٍ ) ).

وَفِي لفظٍ: (( إِلاَّ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمْثلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ) ).

فِي الحديثِ أمرانِ: أحدُهما: تحريمُ التفاضلِ فِي الأموالِ الربويَّةِ عند اتحادِ الجنسِ، ونصفِه فِي الذهبِ بالذهبِ من قولِه: (( إِلاَّ مثلًا بمثلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بعضَها عَلَى بعضٍ ) ).

الثَّانِي: تحريمُ النَّساءِ من قولِه: (( وَلاَ تبيعُوا مِنْهَا غائبًا بناجزٍ ) )، وبقيةُ الأموالِ الربويةِ مَا كَانَ مِنْهَا منصوصًا عَلَيْهِ فِي غيرِ هَذَا الحديثِ، أُخِذَ فِيهِ بالنصِّ وَمَا لاَ قَاسَهُ القائسونَ.

وقولُه: (( إِلاَّ يدًا بيدٍ ) )، فِي الروايةِ الأخرى، يقتضي مَنْعَ النَّساءِ.

وقولُه: (( وزنًا بوزنٍ ) )، يقتضي اعتبارَ التساوي، وَيُوجِبُ أن يكونَ التساوي فِي هَذَا بالوزنِ لاَ بالكيلِ، والفقهاءُ قرَّرُوا أَنَّهُ يَجِبُ التماثلُ بمعيارِ الشرعِ، فَمَا كَانَ موزونًا فبالوزنِ، وَمَا كَانَ مكيلًا فبالكيلِ.

278 -الحديثُ الثالثُ: عن أَبِي سعيدٍ الخدريِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( جَاءَ بِلالٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيَطْعَمَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ، أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِع التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ ) ).

هُوَ نصٌّ فِي تحريمِ ربا الفضلِ فِي التمرِ، وجمهورُ الأمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ ابنُ عبّاسٍ يُخَالِفُ ربا الفضلِ، وكُلِّمَ فِي ذَلِكَ، فقيلَ: إِنَّهُ رجعَ عَنْهُ، وأخذَ قومٌ مِن الحديثِ تجويزَ الذرائعِ، مِن حَيْثُ قولُه: (( بِع التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ ) )، فَإِنَّهُ أجازَ بيعَه، والشراءَ عَلَى الإِطلاقِ، ولم يُفَصِّلْ بَيْنَ أن يبيعَه مِمَّنْ باعَه، أَوْ مِن غيرِه، وَلاَ بَيْنَ أن يَقْصِدَ التوصُّلَ إِلَى شراءِ الأكثرِ أَوْ لا.

والمانعُون مِن الذرائعِ يُجيبُون بأنَّه مُطْلَقٌ لاَ عامٌّ، فَيُحْمَلُ عَلَى بيعِه من غيرِ البائعِ، أَوْ عَلَى غيرِ الصورةِ التي يمنعُونها؛ فإنَّ المُطْلَقَ يُكْتَفَى فِي العملِ بِهِ بصورةٍ واحدةٍ، وَفِي هَذَا الجوابِ نظرٌ؛ لأنا نُفَرِّقُّ بَيْنَ العملِ بالمُطْلَقِ فعلًا، كَمَا إِذَا قَالَ لامرأتِه: إِذَا دخلَتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، فَإِنَّهُ يصدُقُ بالدخولِ مرَّةً واحدةً، وَبَيْنَ العملِ بالمُطْلَقِ، حملًا عَلَى المُقَيَّدِ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ اللفظَ مِن الإِطلاقِ إِلَى التقييدِ.

وَفِيهِ دليلٌ عَلَى أن التفاضلَ فِي الصفاتِ لاَ اعتبارَ بِهِ فِي تجويزِ الزيادةِ.

قولُه: (( بِبَيْعٍ آخَرَ ) )يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بِهِ بِمَبِيعٍ آخرَ، وَيُرَادُ بِهِ التمرُ، ويَحْتَمِلُ أن يُرَادَ بيعٌ عَلَى صفةٍ أخرى، عَلَى معنى زيادةِ الباءِ، كأنَّه قَالَ: بِعْه بيعًا آخرَ، ويُقَوِّي الأَوَّلَ قولُه: (( ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت