فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 381

الصورةُ الثالثةُ: أنْ يتعرَّضَ المصلِّي للمرورِ، ويكونَ للمارِّ مندوحةٌ، فيأثمانِ، أمَّا المصلِّي فلتعرُّضِه، وَأَمَّا المارُّ فلِمُرُورِهِ مَعَ إمكانِ أنْ لاَ يفعلَ.

الصُّورةُ الرَّابعةُ: أنْ لاَ يتعرَّضَ المُصلِّي، وَلاَ يكونَ للمارِّ مندوحةٌ، فَلاَ يأثَمُ واحدٌ منهمَا.

109 -الحديثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي سعيدٍ الخدريِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) ).

(( أبو سعيدٍ الخدريُّ ) )سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنانٍ، خُدْريٌّ، وَقَدْ تقدَّمَ الكلامُ فِيْهِ.

والحديثُ يتعرَّضُ لمنعِ المارِّ بَيْنَ يدِيِ المُصلِّي وبينَ سترتِه، وَهُوَ ظاهرٌ.

وفيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ العملِ القليلِ فِي الصَّلاةِ لمصلحتِهَا.

ولفظةُ (( المُقاتَلَةِ ) )محمولَةٌ عَلَى قوَّةِ المنعِ، مِن غيرِ أنْ تنتهيَ إِلَى الأعمالِ المنافيةِ للصَّلاةِ، وأطلقَ بعضُ المصنِّفينَ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ القولَ بالقتالِ، وَقَالَ: (( فليُقاتِلْهُ ) )عَلَى لفظِ الحديثِ. ونقلَ القاضِي عياضٌ الاتِّفاقَ عَلَى أنَّهُ لاَ يجوزُ المشيُ مِن مقامِه إِلَى ردِّهِ، والعملُ الكثيرُ فِي مدافعتِه، لأنَّ ذَلِكَ فِي صلاتِه أشدُّ مِن مُرورِه عَلَيْهِ.

وَقَدْ يُستدلُّ بالحديثِ عَلَى أنهُ إِذَا لمْ يكنْ سترةٌ لم يثبتْ هَذَا الحكمُ من حَيْثُ المفهومُ، وبعضُ المصنِّفينَ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ نصَّ عَلَى أنَّهُ إِذَا لَمْ يستقبلْ شَيْئًا أَوْ تباعَدَ عن السُّترةِ، فإنْ أرادَ أن يَمُرَّ وراءَ موضعِ السُّجودِ لم يُكرَهْ، وإنْ أرادَ أن يَمُرَّ فِي موضعِ السُّجودِ كُرهَ، ولكنْ لَيْسَ للمُصلِّي أنْ يُقاتِلَه، وعلَّل ذَلِكَ بتقصيرِه، حَيْثُ لم يقرُبْ منَ السُّترةِ، أَوْ مَا هَذَا معناهُ.

وَلَوْ أُخِذَ مِن قولِه: (( إِذَا صلَّى أحدُكم إِلَى شيءٍ يستُره ) )جوازُ التَّستُّرِ بالأشياءِ عمومًا، لكانَ فِيْهِ ضعفٌ؛ لأنَّ مُقْتَضَى العمومِ جوازُ المقاتلةِ عندَ وجودِ كلِّ شيءٍ ساترٍ، لاَ جوازُ السِّترِ بكلِّ شيءٍ، إلاَّ أنْ يُحملَ السِّترُ عَلَى الأمرِ الحِسِّيِّ، لاَ الأمرِ الشرعيِّ. وبعضُ الفقهاءِ كَرِهَ التَّستُّرَ بآدميٍّ أَوْ حيوانٍ غيرهِ، لأنَّهُ يصيرُ فِي صورةِ المصلَّى إِلَيْهِ، وكرههُ مالكٌ فِي المرأةِ.

وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى جوازِ إطلاقِ لفظِ (( الشَّيطانِ ) )فِي مثلِ هَذَا، واللهُ أعلمُ.

110 -الحديثُ الثَّالثُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عباسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.

قوله: (( حِمَارٍ أَتَانٍ ) )فِيْهِ استعمالُ لفظِ (( الحمارِ ) )فِي الذَّكرِ والأُنثى، كلفظِ (( الشاةِ ) )وكلفظِ (( الإِنسانِ ) )وَفِي روايةِ مُسلمٍ (( عَلَى أتانٍ ) )ولمْ يذكرْ لفظةَ (( حمارٍ ) ).

وقولهُ: (( نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ ) )أي: قاربتُهُ، وَهُوَ يُؤنسُ لقولِ مَن قَالَ: إنَّ ابنَ عباسٍ وُلِدَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وقولِ مَن قَالَ: إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماتَ وابنُ عباسٍ ابنُ ثلاثَ عشرةَ سنةً، خلافًا لمنْ قَالَ غيرَ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُقاربُ البلوغَ، ولعلَّ قولَهُ: (( قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلاَمَ ) )ههنَا تأكيدٌ لِهَذَا الحكمِ، وَهُوَ عدمُ بطلانِ الصَّلاةِ بمرورِ الحمارِ، لأنَّهُ استدلَّ عَلَى ذَلِكَ بعدمِ الإِنكارِ، وعدمُ الإِنكارِ عَلَى منْ هُوَ فِي مثلِ هَذَا السِّنِّ أدلُّ عَلَى هَذَا الحكمِ، لأنَّهُ لَوْ كَانَ فِي سنِّ الصِّغَرِ وعدَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت