فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 381

وفيهِ دليلٌ على أنَّهُ إذا وُجِدَت الغُرَّةُ بالصفاتِ المُعْتَبَرَةِ أنَّهُ لا يلزمُ المُسْتَحِقَّ قبولُ غيرِها؛ لِتعيِينِ حقِّهِ في ذلكَ في الحديثِ. وأما إذا عُدِمَتْ فليسَ في الحديثِ ما يُشْعِرُ بحُكْمِهِ. وقد اختلَفُوا فيهِ، فقيلَ: الواجبُ خمسٌ من الإبلِ. وقيلَ: يُعْدَلُ إلى الْقِيمَةِ عندَ الْفَقْدِ.

وقد قدَّمْنَا الإشارةَ إلى أنَّ الحديثَ بإطلاقِهِ لا يقْتَضِي تخصيصَ سنٍّ دونَ سنٍّ. والشافعيَّةُ قالوا: لا يُجْبَرُ على قَبُولِ ما لم يبلُغْ سَبْعًا؛ لحاجتِهِ إلى التَّعَهُّدِ، وعدمِ استقلالِهِ. وأمَّا في طرَفِ الكِبَرِ فقيلَ: إنَّهُ لا يُؤْخَذُ الغلامُ بعدَ خمسَ عشرةَ سنةً، ولا الجاريةُ بعدَ عشرينَ سنةً. وجعلَ بعضُهم الحدَّ عشرينَ. والأظهرُ أنَّهُما يُؤْخَذَانِ، وإنْ جَاوَزَا السِّتِّينَ، ما لم يَضْعُفا ويخْرُجَا عن الاستقلالِ بالهَرَمِ؛ لأنَّ مَن أتى بما دلَّ الحديثُ عليهِ ومُسَمَّاهُ فقد أتى بما وجبَ، فلزِمَ قبولُهُ، إلا أن يدُلَّ دليلٌ على خلافِهِ. وقد أشرْنَا إلى أنَّ التَّقييدَ بالسنِّ ليسَ من مُقْتَضَى لفظِ الحديثِ.

مسألةٌ أُخْرَى: الحديثُ وردَ في جنينِ حُرَّةٍ. وهذا الحديثُ الثانِي ليسَ فيهِ عمومٌ يدخلُ تحتَهُ جنينُ الأمَةِ. بل هوَ حُكْمٌ واردٌ في جنينِ الحُرَّةِ من غيرِ لفظٍ عامٍّ. وأمَّا حديثُ عُمَرَ السابقُ وإن كانَ في لفظِ الاستشارةِ ما يقتضي العُمُومَ لِقولِهِ:"في إِمْلاصِ المرأةِ"؛ لكنْ لفظُ الرَّاوي يقْتَضِي أنَّهُ شهِدَ واقعةً مَخْصُوصَةً، فعلى هذا: ينْبَغِي أن يُؤْخَذَ حُكْمُ جنينِ الأمَةِ من مَحِلٍّ آخَرَ، وعندَ الشافعيِّ: الواجبُ في جنينِ الرقيقِ عُشْرُ قيمةِ الأمِّ، ذكرًا كانَ أو أُنْثَى، وكذلكَ نقولُ: إنَّ الحديثَ واردٌ في جنينٍ محكومٍ بإسلامِهِ. ولا يتعرَّضُ لجنينٍ محكومٍ لهُ بالتهوُّدِ أو التنصُّرِ تَبَعًا، ومن الفقهاءِ مَن قاسَهُ على الجنينِ المحكومِ بإسلامِهِ تَبعًا، وهذا مأخوذٌ من القياسِ لا من الحديثِ.

وقولُهُ:"قضى بدِيَةِ المرأةِ على عَاقِلَتِهَا"إجراءٌ لهذا القتلِ مَجْرَى غيرِ العمْدِ.

و"حَمَلٌ"بفتحِ الحاءِ المهملةِ والميمِ معًا. و"طَلٌّ"دمُ القتيلِ إذا أُهْدِرَ، ولم يُؤْخَذْ فيهِ شيءٌ.

وقولُهُ عليهِ السلامُ:"إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ إلخ"فيهِ إشارةٌ إلى ذمِّ السجعِ، وهو محمولٌ على السجعِ المتكلَّفِ لإبطالِ حقٍّ، أو تحقيقِ باطلٍ، أو لمجرَّدِ التكلُّفِ؛ بدليلِ أَنَّهُ قد وردَ السجعُ في كلامِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ، وفى كلامِ غيرِهِ من السلفِ. ويدلُّ على ما ذكرْنَاهُ: أنَّهُ شبَّهَهُ بسجعِ الكُهَّانِ؛ لأنَّهُم كانوا يُرَوِّجُونَ أقاويلَهُمْ الباطلَةَ بأسجاعٍ تَرُوقُ للسَّامِعينَ، فيستميلونَ بها القلوبَ، ويستصْغُونَ إليها الأسماعَ. قالَ بعضُهم: فأمَّا إذا كانَ وضعُ السجعِ في مواضعِهِ من الكلامِ فلا ذمَّ فيهِ.

347 -الحديثُ الثامنُ: عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ، أنَّ رجلًا عضَّ يدَ رجلٍ، فنزعَ يدَهُ من فيهِ، فوقعَتْ ثنَيَّتُهُ، فاختصَمَا إلى النبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ، فقالَ:"يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَكَ".

أخذَ الشافعيُّ بظاهرِ هذا الحديثِ. فلم يُوْجِبْ ضمانًا لمثلِ هذهِ الصُّورةِ إذا عضَّ إنسانٌ يدَ آخَرَ، فانتزَعَها، فسقطَ سنُّهُ، وذلكَ إذا لم يُمْكِنْهُ تخليصُ يدِهِ بأيْسَرِ ما يقدرُ عليهِ من فكِّ لَحْيَيْهِ، أو الضرْبِ في شدقيْهِ لِيُرْسِلَهَا، فحينَئِذٍ إذا سَلَّ أسنانَهُ أو بَعْضَهَا فلا ضمانَ عليهِ. وخالفَ غيرُ الشافعيِّ في ذلكَ، وأوجبَ ضمانَ السنِّ. والحديثُ صريحٌ لمذهبِ الشافعيِّ. وأما التقييدُ بعدمِ الإمكانِ بغيرِ هذا الطريقِ فلعلَّهُ مأخوذٌ من القواعدِ الكليَّةِ، وأمَّا إذا لم يُمْكِنْهُ التخليصُ إلا بضربِ عُضْوٍ آخَرَ، كَبَعْجِ البطنِ وَعَصْرِ الأُنْثَيَيْنِ، فقد اخُتْلِفَ فيهِ، فقيلَ: لهُ ذلكَ. وقيلَ: ليسَ لهُ قصدٌ غيرَ الفمِ، وإذا كانَ القياسُ وجوبَ الضمانِ، فقد يُقَالُ: إنَّ النصَّ وردَ في صورةِ التلفِ بالنزعِ من اليدِ، فلا نقيسُ عليهِ غيرَهُ، لكنْ إذا دلَّت القواعدُ على اعتبارِ الإمكانِ في الضمانِ، وعدمِ الإمكانِ في غيرِ الضمانِ، وفرضْنَا أنَّهُ لم يكُن الدَّفْعُ إلا بالقصْدِ إلى غيرِ الفمِ: قَوِيَ بعدَ هذهِ القاعدةِ أن يُسَوَّى بينَ الفمِ وغيرِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت