وفيه دليلٌ على أنَّ المُخَالَفَةَ في اللَّونِ بينَ الأبِِ والابنِ - بالبياضِ والسَّوادِ - لا تُبيحُ الانتفَاءَ. وقد ذَكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ الحُكْمَ والتَّعليلَ. وأجازَ بعضُهُمْ في السَّوادِ الشّديدِِ مع البياضِ الشَّديدِِ. و"الوُرْقَةُ"لونٌ يمِيلُ إلىِ الغُبْرَةِ، كلونِ الرَّمادِ يُسَمَّى أَوْرَقَ. والجمْعُ"وُرْقٌ"بضمِّ الواوِ وسكونِ الرَّاءِ.
واسْتَدَلَّ به الأصوليُّونَ على العمَلِ بالقياسِ؛ فإنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ حصَلَ منْهُ التَّشبيهُ لوِلدِ هذا الرَّجلِ الْمُخَالِفِ للَوْنِه بِوَلَدِ الإبلِ المُخَالِفِ لألْوانِها، وذَكَرَ العلَّةَ الجامِعَةَ. وهي نزْعُ العِرْقِ، إلا أنَّه تشبيهٌ في أَمْرٍ وُجُودِيٍّ. والَّذي حَصَلَتِ المنازعَةُ فيهِ هوَ التَّشْبِيهُ في الأحْكامِ الشَّرعَّيةِ.
327 -الحديثُ الرَّابعُ: عن عائِشَةَ رضيَ اللهُ عنْهَا قالتْ:"اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ في غُلاَمٍ. فقالَ سَعْدٌ: يا رسولَ اللهِ هذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إلَى شَبَهِهِ. وقالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هذَا أَخِي يا رسولَ الله، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أبِي مِنْ وَليدَتِهِ. فَنَظَرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ إلى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ. فقال: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَاحْتَجِبي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فلم يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ".
يُقالُ"زَمْعَةُ"بإسكانِ الميمِ. وهو الأكْثُرُ. ويُقالُ"زَمَعَةُ"بفتحِ الميمِ أيضًا.
والحديثُ أصلٌ فِي إلْحاقِ الولَدِ صاحِبَ الفراشِ. وإنْ طرَأَ عليه وطْءٌ مُحَرَّمٌ. وقد اسْتَدَلَّ به بعضُ المالكَّيِةِ على قاعدةٍ مِن قواعِدِهِمْ وأصلٍ مِن أُصُولِ المذهبِ. وهو الحُكْمُ بينَ حُكْمَيْنِ، وذلكَ أن يكونَ الفرْعُ يأخُذُ مُشَابَهَةً مِن أُصُولٍ مُتَعَدِّدةٍ. فَيُعْطَى أحكامًا مختلِفَةً. ولا يُمحَّضُ لأحدِ الأصولِ. وبيانُه مِن الحديثِ أنَّ الفراشَ مُقْتَضٍ لإلحاقِه بزَمْعةَ والشَّبهُ البيِّنُ مُقْتَضِ لإلحاقِه بعُتْبةَ فأَُعْطِىَ النَّسبَ بُمقْتَضَى الفراشِ. وأُلْحِقَ بزَمعةَ، ورُوعِيَ أمْرُ الشَّبَه بِأَمْرِ سَوْدَةَ بالاحتجابِ مْنهُ. فأُعْطِي الفرعُ حكْمًا بينَ حُكْمَيْنِ. فلم يُمَحَّضْ أَمْرُ الفراشِ.
فَتَثْبُتَ المَحْرَمِيَّةُ بينَه وبينَ سَوْدَةَ، ولا رُوعِيَ أَمْرُ الشَّبهِ مطلقًا فيلْتَحِقَ بعُتْبةَ.
قَالُوا: وهذَا أوْلَى التَّقْديراتِ؛ فإنَّ الفَرْعَ إذا دَارَ بينَ أصلَينِ، فَأُلْحِقَ بأحدِهمَا مطلَقًا، فَقدْ أُبْطِلَ شَبَهُه الثاني مِن كلِّ وجهٍ، وكذلك إذا فُعِلَ بالثاني، ومُحِّضَ إلْحاقُه به، كان إبطالًا لِحُكْمِ شبهِهِ بالأوَّلِ، فَإِذا أُلْحِقَ بكلِّ واحدٍ منْهُمَا من وجهٍ: كانَ أَوْلَى مِنْ إلغاءِ أحدِهِمَا مِن كُلِّ وجْهٍ.
ويُعْتَرَضُ على هذَا بأنَّ صورةَ النِّزاعِ مَا إِذَا دارَ الفرْعُ بين أصلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ، يَقْتضِي الشَّرْعُ إلحاقَه بكلِّ واحدٍ منهُمَا، مِن حيثُ النَّظرُ إليه، وههُنَا لا يقتضي الشَّرعُ إلا إلحاقَ هذَا الولدِ بالْفِرَاشِ، والشَّبهُ ههُنَا غيرُ مقْتَضٍ للإلحاقِ شَرْعًا. فَيُحْمَلُ قولُه"واحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَودْةُ". على سبيلِ الاحتِياطِ، والإرشادِ إلى مصلحةٍ وُجُودِيَّةٍ، لا على سبيلِ بيانِ وجُوبِ حُكْمٍ شرْعيٍّ. ويُؤَكِّدُه أنَّا لوْ وَجَدْنَا شَبَهًا في وَلدٍ لغيرِ صاحِبِ الفراشِ لم يُثْبِتْ لذلكَ حُكْمًا، وليسَ في الاحْتِجابِ ههُنَا إلا تَرْكُ أَمْرٍ مُبَاحٍ، على تقديرِ ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ. وهو قريبٌ.
وقولُه عليه السلامُ:"هوَ لَكَ"أيْ: أخٌ. وقولُه عليه السَّلامُ:"الولدُ للفِراشِ". أي: تابِعٌ للفراشِ. أو مَحْكُومٌ به للفرَاشِ، أو يُقارِبُ هذا.
وقولُه عليه السَّلامُ"ولِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ"قِيلَ إنَّ معناهُ: أنَّ له الْخَيْبَةَ ممَّا ادَّعَاه وطلبَهُ، كما يُقالَ: لفلانٍ التُّرابُ. وكما جاءَ في الحديثِ الصَّحيحِ"وَإنِ جاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فامْلأْ كفَّه تُرابًا"تعبيرًا بذلكَ عنْ خَيْبَتِهِ وَعَدَمِ استحْقاقِهِ لِثَمَنِ الكلْبِ. وإنَّما لم يُجْرُوا اللَّفْظَ على ظاهِرِه ويَجْعَلُوا الحجَرَ"ههُنَا عبارةً عن الرَّجْمِ الْمُسْتَحَقِّ في حقِّ الزَّانِي؛ لأنَّه ليسَ كلُّ"