من الجُنُبِ، فيمكنُ أنْ يكونَ سببًا للرُّخصَةِ. فبُيِّنَ فِي هذا الحديثِ: أنَّ هذَا كانَ مِن جِماعٍ ليزولَ هذا الاحتمالُ. ولم يقعْ خلافٌ بينَ الفقهاءِ المشهورينَ فِي مثلِ هذا، إلا فِي الحائضِ إذا طهُرتْ وطلعَ عليها الفجرُ قبلَ أنْ تغتسلَ. فَفِي مذهبِ ماِلكٍ فِي ذلكَ قولانِ - أعني فِي وجوبِ القضاءِ - وقدْ يدلُّ كتابُ اللهِ أيضًا على صحَّةِ صومِ من أصبحَ جُنُبًا. فإنَّ قولَه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرةِ: 187] يقتضِي إباحةَ الوَطْءِ فِي ليلةِ الصَّومِ مطلقًا. ومنْ جملتهِ. الوقتُ المقارِبُ لطلوعِ الفَجْرِ، بحيثُ لا يسَعُ الغُسْلَ. فتقْتَضِي الآيةُ فِي ذلكَ الوقتِ. ومن ضرورتِهِ: الإصباحُ جنُبًا. والإباحةُ لسَببِ الشيءِ إباحةٌ للشَّيءِ.
وقولُها: (( من أهلِهِ ) )فيهِ حذفُ مصافٍ، أيْ مِن جماعِ أهلِهِ.
184 -الحديثُ السَّادسُ: عن أبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهُ، عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (( مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فأَكلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ ) ).
اختلفَ الفقهاءُ فِي أكلِ الناسِي للصَّومِ، هل يُوجبُ الفسادَ أم لا؟ فذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ: إِلَى أنهُ لا يوجبُ، وذهبَ مالكٌ إِلَى إيجابِ القضاءِ، وهو القياسُ. فإنَّ الصَّومَ قد فاتَ ركنهُ. وهو مِن بابِ المأموراتِ. والقاعدةُ تقتضِي: أنَّ النِّسيانَ لا يؤثِّرُ فِي طلبِ المأموراتِ. وعُمدةُ مَن لمْ يوجِب القضاءَ هذا الحديثُ وما فِي معناهُ، أو ما يقاربُه. فإنه أَمَر بالإتمامِ. وسَمَّى الذِي يُتِمُّ (( صومًا ) )وظاهره: حملُه على الحقيقةِ الشَّرعيَّةِ. وإذا كانَ صومًا وقعَ مُجَزَّءًا. ويلزمُ مِن ذلك: عدمُ وجوبِ القضاءِ. والمخالفُ حَمَلَهُ على أنَّ المرادَ: إتمامُ صُورةِ الصَّومِ. وهو متَّفقٌ عليهِ. ويجابُ بما ذكرناهُ من حملِ الصومِ على الحقيقةِ الشَّرعيَّةِ، وإذا دارَ اللفظُ بين حملِهِ على المعنَى اللغويِّ والشرعيِّ كان حملُه على الشرعيِّ أولَى. الَّلهُمَّ إلا أنْ يكونَ ثَمَّ دليلٌ خارجٌ يُقَوِّي به هذا التأويلَ المرجوحَ فيُعملُ بهِ.
وقوله: (( فإنمَا أطعمهُ اللهُ وسقاهُ ) )يستدلُّ بهِ على صحةِ الصَّومِ. فإنَّ فيهِ إشعارًا بأنَّ الفعلَ الصادرَ منهُ مسلوبُ الإضافةِ إليهِ. والحكمُ بالفطرِ يلزمهُ الإضافةُ إليهِ. والذينَ قَالُوا بالإفطارِ حَمَلوا ذلكَ على أنَّ المرادَ الإخبارُ برفعِ الإثمِ عنهُ، وعدمُ المؤاخذةِ بِهِ. وتعليقُ الحكمِ بالأكْلِ والشّربِ لا يقتضِي من حيثُ هوَ هوَ مخالفةً فِي غيرهِ؛ لأنه تعليقُ الحكمِ بالَّلقبِ، فلا يدلُّ على نفيهِ عمَّا عداهُ، أو لأنهُ تعليقُ الحكمِ بالغالبِ. فإنَّ نسيانَ الجماعِ نادرٌ بالنسبَةِ إليهِ. والتخصيصُ بالغالبِ لا يقتضِي مفهومًا. وقد اختلفَ الفقهاءُ فِي جماعِ النَّاسِي، هلْ يوجبُ الفسادَ على قولنا: إنَّ أكلَ الناسِي لا يوجبهُ؟ واختلفَ أيضًا القائلونَ بالفسادِ: هل يوجبُ الكفارةَ؟ مَعَ اتِّفاقِهمْ على أنَّ أكلَ النَّاسِي لا يوجبُها، ومدارُ الكُلِّ على قصورِ حالةِ المُجامعِ ناسيًا عن حالةِ الآكِلِ ناسيًا، فيما يتعلَّقُ بالعُذرِ والنِّسيانِ. ومن أرادَ إلحاقَ الجماعِ بالمنصوصِ عليهِ، فإنَّمَا طريقُه القياسُ، والقياسُ مع الفارقِ متعذِّرٌ، إلا إذا بيَّنَ القائسُ أن الوصفَ الفارقَ مُلغىً.
185 -الحديثُ السَّابعُ: عن أبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: بينمَا نَحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جاءَهُ رَجُلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قالَ: (( ما أَهلكَكَ؟ ) )قالَ: وقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي، وَأَنَا صائمٌ - وَفِي روايةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِيِ فِي رَمَضَانَ - فَقَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقهَا؟ ) )قَالَ: لاَ، قالَ: (( فَهَلْ تَسْتَطيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعيْنِ؟ ) )قالَ: لا، قالَ: (( فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ) )قالَ: لا، قالَ: فَمَكَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنا نحنُ