فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 381

الخَبَرِ. وَعَلَى تَقديرِ صِحَّةِ هَذَا البِنَاءِ: فَالحُكْمُ هُنَاكَ فِي مَسْأَلَةِ الوَكِيلِ يَكُونُ مَأخُوذًا بِالقِياسِ لا بِالنَّصِّ.

الثَّانِيَةُ: إِذَا صَلَّت الأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأسِ، ثُمَّ عَلِمَتْ بِالعِتْقِ فِي أثْنَاءِ الصَّلاةِ: هَلْ تَقْطَعُ الصَّلاةَ أَمْ لا؟ فَمَن أَثْبَتَ الحُكْمَ قَبْلَ بُلُوغِ العِلْمِ إليهَا قَالَ بِفَسَادِ مَا فَعَلَتْ فَأَلْزَمَهَا القَطْعَ. وَمَن لَم يُثْبِتْ ذَلِكَ لم يُلزِمْهَا القَطْعَ، إِلَّا أَنْ يَتَرَاخَى سِتْرُهَا لِرَأسِهَا وَهَذَا أيضًا مِثْلُ الأَوَّلِ، وَأَنَّهُ بِالقِيَاسِ.

الثَّالِثَةُ: قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَنْبِيهِ مَن لَيسَ فِي الصَّلاةِ لِمَنْ هُوَ فِيهَا. وَأَنْ يَفْتحَ عَلَيهِ. كَذَا ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ. وَفِي اسْتِدْلالِهِ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيهِ مُطْلَقًا نَظَرٌ. لأنَّ هَذَا المُخْبِرَ عَن تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مُخْبِرٌ عَن وَاجِبٍ، أو آمِرٌ بِتَرْكِ مَمْنُوعٍ. وَمَن يَفْتَحُ عَلَى غَيْرِهِ لَيْسَ كَذَلكَ مُطْلقًا. فَلا يُسَاوِيهِ، وَلا يَلْحَقُ بِهِ. هَذَا إذَا كَانَ الفَتْحُ فِي غَيْرِ الفَاتِحَةِ.

الرَّابِعَةُ: قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الاجْتِهَادِ فِي القِبْلَةِ، وَمُرَاعَاةِ السَّمْتِ لأنَّهُمْ اسْتَدَارُوا إِلى جِهَةِ الكَعْبَةِ لأَوَّلِ وَهْلَةٍ فِي الصَّلاةِ قَبلَ قَطْعِهِمْ عَلَى مَوضِعِ عَينِهَا.

الخَامِسَةُ: قَد يُؤَخُذُ مِنْهُ أنَّ مَن صلَّى إلى غَيرِ القِبْلَةِ بِالاجْتِهَادِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الخَطَأُ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ. لأنَّهُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيهِ فِي ظَنِّهِ، مَعَ مُخَالَفَةِ الحُكْمِ فِي نَفْسِ الأمْرِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ فَعَلُوا مَا وَجَبَ عَلَيْهِم عِنْدَ ظَنِّهِمْ بَقَاءَ الأَمْرِ. وَلَمْ يَفْسُدْ فِعْلُهُمْ، وَلا أُمِرُوا بِالإِعَادَةِ.

السَّادِسَةُ: قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَن لَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ اللهِ تَعالى وَلَم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، ولا أمْكَنَهُ اسْتِعْلامُ ذَلكَ مِن غَيْرِه، فَالفَرْضُ غَيرُ لازمٍ لَهُ، وَالحُجَّةُ غَيْرُ قَائِمَةٍ عَليهِ. وَرَكَّبَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةَ مَن أَسْلَمَ فِي دَارِ الحَرْبِ، أَو أَطْرَافِ بِلادِ الإسْلامِ، حَيثُ لا يَجِدُ مَن يَسْتَعْلِمُهُ عَن شَرَائعِ الإسْلامِ: هَل يَجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا مَرَّ مِن صَلاةٍ وَصِيامٍ، لَم يَعْلَمْ وُجُوبَهُمَا؟ وَحُكِيَ عَن مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إِلْزَامُهُ ذَلِكُ - أو مَا هَذَا مَعْنَاهُ - لِقُدْرَتِهِ عَلَى الاسْتِعْلامِ وَالبَحْثِ، وَالخُرُوجِ لِذلكَ. وهَذَا أيضًا يَرْجِعُ إلى القِياسِ. واللهُ أعْلمُ.

وَقَولُهُ فِي الحَدِيثِ: وَقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. يُرْوَى بِكَسْرِ البَاءِ عَلَى الأمْرِ، ويُرْوَى: فاستقبَلُوهَا , بِفَتْحِهَا عَلَى الخَبَرِ.

70 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَنَسِ بنِ سِيرينَ قالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِن الشَّامِ، فَلَقينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِن ذَا الجَانِبِ - يَعْنِي عَن يَسَارِ القِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ؟ فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ مَا فَعَلْتُهُ.

الحَدِيثُ يَدُّلُّ عَلَى جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ إِلَى غَيرِ القِبْلَةِ. وَهُو كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ. وَلَيسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ إِلَّا زِيَادَةُ: أَنَّهُ عَلَى حِمَارٍ. فَقَد يُؤخَذُ مِنْهُ طَهَارَتُهُ. لأنَّ مُلامَسَتَهُ مَع التَّحَرُّزِ عَنْهُ مُتَعَذِّرَةٌ؛ لاسِيَّمَا إِذَا طَالَ زَمَنُ رُكُوبِهِ، فَاحْتَمَلَ العرقَ. وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَائلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.

وَقَولُهُ: مِن الشَّأمِ هُوَ الصَّوابُ فِي هَذَا المَوضِعِ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ (( حِينَ قَدِمَ الشَّامَ ) )وقالُوا: هُوَ وَهْمٌ، وَإنَّمَا خَرَجُوا مِن البَصْرَةِ لِيَتَلَقَّوهُ مِن الشَّامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت