اسْتِدْلالُهُم بِهَذَا الخَبَرِ عَلَى المُدَّعَى. وهَذَا الوَجْهُ مُخْتَصٌّ بِالظَّاهِرِيََّةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: رَجَعُوا إِلَى الحَدِيثِ أيضًا فِي أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالكِتَابِ جَائِزٌ , وَوَجْهُ التَّعَلُّقِ بِالحَدِيثِ فِي ذَلكَ. أنَّ المُخْبِرَ لَهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ: أُنْزِلَ الْلَيلةَ قُرْآنٌ؛ فَأَحَالَ فِي النَّسْخِ عَلَى الكِتَابِ. وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَعَلِمْنَا أنَّ ذَلِكَ مِن الكِتَابِ وَلَيسَ التَّوجُّهُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ بِالكِتَابِ، إذْ لا نَصَّ فِي القُرآنِ عَلَى ذلكَ، فهُوَ بالسُّنَّةِ، وَيَلْزَمُ من مَجْمُوعِ ذَلكَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالكِتَابِ. وَالمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ: خِلافُهُ.
ويُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِوُجُوهٍ بَعِيدَةٍ. أَحَدُهَا: أنْ يُقَالَ: المَنْسُوخُ كَانَ ثَابِتًا بِكِتَابٍ نُسِخَ لَفْظُهُ. وَالثَّانِي: أنْ يُقالَ: النَّسْخُ كَانَ بِالسُّنَّةِ. وَنَزَلَ الكِتَابُ عَلَى وَفْقِهَا. الثَّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ بَيَانُ المُجْمَلِ كَالمَلْفُوظِ بِهِ. وَقَولُهُ تَعَالَى: {وأقِيمُوا الصَّلاةَ} مُجْمَلٌ، فُسِّرَ بِأُمُورٍ. مِنْهَا: التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ. فَيَكُونُ كَالمَأْمُورِ بِهِ لَفْظًا فِي الكِتَابِ.
وَأُجِيبَ عَن الأوَّلِ وَالثَّانِي: بِأَنَّ مَسَاقَ هَذَا التَّجْوِيزِ: يُفْضِي إِلى أنْ لا يُعْلَمَ نَاسِخٌ مِن مَنْسُوخٍ بِعَيْنِهِ أصْلًا. فَإِنَّ هَذَينِ الاحْتِمَالَينِ مُطَّرِدَانِ فِي كُلِّ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ. وَالحَقُّ أنَّ هَذَا التَّجْوِيزَ: يَنْفِي القَطْعَ اليَقِينِيَّ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، إِلَّا أنْ تَحْتَفَّ القَرَائنُ بِنَفْي هَذَا التَّجْوِيزِ، كَمَا فِي كَونِ الحُكْمِ بِالتَّحْوِيلِ إِلَى القِبْلَةِ مُسْتَنِدًا إِلَى الكِتَابِ العَزِيزِ.
وَأُجِيبَ عَن الثَّالِثِ: بِأنَّا لا نُسَلِّمُ بِأنَّ البَيانَ كَالمَلْفُوظِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ.
المَسْأَلةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ هَل يَثْبُتُ فِي حَقِّ المُكَلَّفِ قَبْلَ بُلُوغِ الخِطَابِ لَهُ؟ وَتَعَلَّقُوا بِهَذَا الحَدِيثِ فِي ذَلِكَ.
وَوَجْهُ التَّعَلُّقِ: أنَّهُ لَو ثَبَتَ الحُكْمُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ قَبْلَ بُلُوغِ الخَبَرِ إِلَيْهِمْ، لَبَطُلَ مَا فَعَلُوُه مِن التَّوجُّهِ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ. فَيُفْقَدُ شَرْطُ العِبَادَةِ فِي بَعْضِهَا. فَتُبْطَلُ.
المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُطْلَقِ النَّسْخِ. لأنَّ مَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الأَخَصِّ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الأعَمِّ.
المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَد يُؤخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَو بِالقُرْبِ مِنْهُ؛ لأنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أنْ يَقْطَعُوا الصَّلاةَ وَأنْ يَبنُوا. فَرَجَّحُوا البِنَاءَ. وَهُو مَحَلُّ الاجْتِهَادِ. تَمَّت المَسَائلُ الأُصُولِيَّةُ.
وَأمَّا المَسَائلُ الفُرُوعِيَّةُ: فَالأُولَى مِنهَا: أنَّ الوكيلَ إذا عُزِلَ فَتَصَرَّفَ قَبلَ بُلُوغِ الخَبَرِ إِلَيْهِ: هَلْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ النَّسَخِ؟ وَهَلْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ بُلُوغِ الخَبَرِ؟ وَقَد نُوزِعَ فِي هَذَا البِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الأصْلِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ هَذَا المُنَازِعِ فِي هَذَا البِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّسْخِ: أنَّ النَّسْخَ خِطَابٌ تَكْلِيفِيٌّ، إِمَّا بِالفِعْلِ أو بِالاعْتِقَادِ. وَلا تَكْلِيفَ إِلَّا مَعَ الإِمْكَانِ، وَلا إِمْكَانَ مَعَ الجَهْلِ بِوُرُودِ النَّاسِخِ.
وَأَمَّا تَصَرُّفُ الوَكيلِ: فَمَعْنَى ثُبُوتِ حُكْمِ العَزْلِ فِيهِ: أَنَّهُ بَاطِلٌ وَلا اسْتِحَالَةَ فِي أَنْ يُعْلَمَ بَعْدَ البُلُوغِ بُطْلانُهُ قَبْلَ بُلُوغِ