فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 381

من حالِهِمْ عِنْدَ وجودِهَا، لا من حالِ غيرِهِمْ. وإن كانَ أفضلَ من حالِ غيرِهِمْ قَطْعًا، فمن وجهٍ آخرَ. لكنْ لابُدَّ -من هذا- من اعتبارِ الْمُعَارِضِ الذي ذكرْنَاهُ. فلعلَّهُ معَ اعتبارِهِ لا يكونُ ناقصًا. ويُسْتَثْنَى حالُهُمْ من العمومِ الَّذي في الحديثِ الثَّانِي. أو حالُ مَن يُقَارِبُهُمْ في المعنَى.

وأمَّا هذا الحديثُ الذي نحنُ فيهِ. فَإِشْكَالُهُ من كلمةِ"أَوْ"أقوَى من ذلكَ الحديثِ. فإنَّه قد يُشْعِرُ بأنَّ الحاصلَ: إمَّا أجرٌ، وإمَّا غنيمةٌ. فَيَقْتَضِي أنَّه إذا حَصَّلْنَا الغنيمةَ يُكْتَفَى بهَا لهُ. وليسَ كذلكَ.

وقيلَ في الجوابِ عن هذا: بأنَّ"أَوْ"بمعنَى الواوِ. وكأنَّ التَّقديرَ: بأجرٍ وغنيمةٍ. وهذا - وإن كانَ فيه ضَعْفٌ من جهةِ العربيَّةِ - ففيهِ إشكالٌ، من حَيْثُ إنَّهُ إذا كانَ المعنَى يقتضِي اجتماعَ الأمريْنِ: كانَ ذلكَ داخلًا في الضَّمانِ. فيقتضِي أنَّهُ لا بُدَّ مِن حصولِ أمريْنِ لهذا المجاهدِ إذا رجعَ معَ رجوعِهِ. وقد لا يَتَّفِقُ ذلكَ، بأن يَتْلَفَ مَا حَصَّلَ في الرُّجوعِ من الغنيمةِ. اللَّهُمَّ إلَّا أن يُتَجوَّزَ في لفظةِ"الرُّجُوعِ إلَى الْأَهْلِ"أو يُقَالُ: المعيَّةُ في مُطْلَقِ الحصولِ، لا في الحصولِ في الرجوعِ.

ومنهُمْ مَن أجابَ بأنَّ التَّقديرَ: أو أَرْجِعَهُ إلى أهلِهِ، معَ مَا نالَ من أجرٍ وحدَهُ، أو غنيمةٍ وأجرٍ. فَحَذَفَ الأجرَ من الثَّانِي. وهذا لا بأسَ بهِ؛ لأنَّ الْمُقَابَلَةَ إنَّما تَشْكُلُ إذا كانَتْ بَيْنَ مُطْلَقِ الأجرِ وبينَ الغنيمةِ معَ الأجرِ. وأمَّا معَ الأجرِ المفيدِ بانفرادِهِ عن الغنيمةِ فلا.

409 -الحديثُ الرَّابعُ: عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: (( مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى: اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ ) ).

"الْكَلْمُ"الْجُرْحُ. وَمَجِيئُهُ يومَ القيامةِ معَ سَيَلَان ِالْجُرْحِ فيهِ أمرانِ.

أحدُهُمَا: الشَّهادةُ على ظالمِهِ بالقتلِ. الثَّانِي: إظهارُ شَرَفِهِ لأهلِ الْمَشْهَدِ وَالْمَوْقِفِ بمَا فيهِ من رائحةِ المسكِ الشَّاهدةِ بالطِّيبِ. وقد ذكرُوا في الاستنباطِ من هذا الحديثِ أشياءَ مُتَكَلَّفَةً، غيرَ صابرةٍ على التَّحقيقِ.

منهَا: أن الْمُرَاعَى في الماءِ: تَغَيُّرُ لونُهُ، دونَ تَغَيُّرِ رائحتِهِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ سَمَّى هذا الخارجَ من جُرْحِ الشَّهيدِ"دمًا"وإن كانَ ريحُهُ ريحَ الْمِسْكِ ولم يكنْ مِسكًا. فغلبَ الاسمُ للونِهِ على رائحتِهِ. فكذلكَ الماءُ، مَا لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ لم يُلْتَفَتْ إلى تَغَيُّرِ رائحتِهِ. وفى هذا نَظَرٌ يحتاجُ إلى تَأَمُّلٍ.

ومنهَا: مَا تَرْجَمَ البُخاريُّ فيمَا يقعُ من النَّجاساتِ في الماءِ والسَّمْنِ. قالَ القاضِي: وقد يُحْتَمَلُ أن حُجَّتَهُ فيهِ الرُّخصةُ في الرَّائحةِ، كمَا تَقَدَّمَ، أو التَّغليظُ بعكسِ الاستدلالِ الأوَّلِ. فإنَّ الدَّمَ لمَّا انتقلَ بِطِيبِ رائحتِهِ من حُكْمِ النَّجاسةِ إلى الطَّهارةِ، ومن حُكْمِ القذارةِ إلى التَّطْيِيبِ بَتَغَيُّرِ رائحتِهِ و حُكِمٍَ لهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ والطِّيبِ للشَّهيدِ. فكذلكَ الماءُ يَنْتَقِلُ إلى العكسِ بِخُبْثِ الرَّائحةِ وَتَغَيُّرِ أحدِ أوصافِهِ من الطَّهارةِ إلى النَّجاسةِ.

ومنهَا: مَا قالَ القاضِي: ويَحْتَجُّ بهذا الحديثِ أبو حَنِيفَةَ في جوازِ استعمالِ الماءِ الْمُضَافِ، الْمُتَغَيِّرَةِ أوصافُهُ بإطلاقِ اسمِ الماءِ عليْهِ، كمَا انطلقَ على هذا اسمُ الدَّمِ. وإن تَغَيَّرَتْ أوصافُهُ إلى الطِّيبِ، قالَ: وَحُجَّتُهُ بذلكَ ضعيفةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت