وقد يُقَالُ إنَّ"ضامنًا"بمعنَى ذا ضمانٍ، كَلَابِنٍ وتَامِرٍ، ويكونُ الضَّمانُ ليسَ منهُ، وإنَّما نُسِبَ إليهِ لِتَعَلُّقِهِ بهِ. والعربُ تُضِيفُ لأدنَى ملابَسةٍ.
وقولُهُ"أَرْجِعَهُ"مفتوحُ الهمزةِ مكسورُ الجيمِ من رَجَعَهُ، ثلاثيًا متعديًا ولازمُهُ ومُتَعَدِّيهِ واحدٌ: قالَ اللهُ تعالَى (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ) (9: 83) .
قيلَ: إنَّ هذا الحديثَ مُعَارِضٌ للحديثِ الآخَرِ. وهوَ قولُهُ عليْهِ السَّلامُ (( مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فَتْغَنَمُ وَتَسْلَمُ، إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ. وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتُخْفِقُ أَوْ تُصَابُ إِلَّا تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) )وَالْإِخْفََاقُ: أن تغزوَ فلا تَغْنَمَ شيئًا. ذكرَ القاضِي معنَى مَا ذكرنَاهُ من المعارضةِ عن غيرِ واحدٍ.
وعندِي: أنَّه أقربُ إلى مُوَافقَتِهِ منهُ إلى مُعَارَضَتِهِ. ويَبْعُدُ جدًّا أن يُقَالَ بتعارضِهِما. نعمْ، كلاهُمَا مُشْكِلٌ. أمَّا ذلكَ الحديثُ: فلتصريحِهِ بنقصانِ الأجرِ بسببِ الغنيمةِ. وأمَّا هذا: فلأنَّ"أَوْ"تقتضِي أحدَ الشَّيئيْنِ، لا مَجْمُوعَهُا. فيقتضِي: إمَّا حصولُ الأجرِ أو الغنيمةِ. وقد قالُوا: لا يَصِحُّ أن تَنْقُصَ الغنيمةُ من أجرِ أهلِ بدرٍ، وكانُوا أفضلَ المجاهدينَ، وأفضلَهُم غنيمةً. ويؤكِّدُ هذا: تَتَابُعُ فِعْلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ وأصحابِهِ من بعدِهِ على أَخْذِ الغنيمةِ وعدمِ التوقُّفِ عنهَا.
وقد اختلَفُوا -بسببِ هذا الإشكالِ- في الجوابِ. فمنهُمْ مَن جنحَ إلى الطَّعْنِ في ذلكَ الحديثِ. وقالَ: إنَّه لا يَصِحُّ. وزعمَ أنَّ بعضَ رُوَاتِهِ ليسَ بمشهورٍ. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ مُسْلِمًا أخرجَهُ في كتابِهِ. ومنهُمْ مَن قالَ: إنَّ هذا الَّذي تَعَجَّلَ من أجرِهِ بالغنيمةِ: في غنيمةٍ أُخِذَتْ على غيرِ وجهِهَا. قال بعضهُمْ: وهذا بعيدٌ. لا يَحْتَمِلُهُ الحديثُ. وقيلَ: إنَّ هذا الحديثَ -أعنِي الَّذي نحنُ في شرحِهِ- شُرِطَ فيهِ مَا يقتضِي الإخلاصَ. والحديثُ الَّذي في نُقْصَان ِالأجرِ: يُحْمَلُ على مَن قَصَدَ مع الجهادِ: طلبَ الْمَغْنَمِ. فهذا شَرَّكَ بمَا لَا يجوزُ لهُ التَّشْرِيكُ فيهِ، وانقسمَتْ نِيَّتُهُ بَيْنَ الوجهيْنِ. فَنَقَصَ أجرُهُ. والأوَّلُ: أَخْلَصَ، فكَمُلَ أجرُهُ.
قالَ القاضِي: وأَوْجَهُ من هذا عندِي في استعمالِ الحديثيْنِ على وَجْهَيْهِمَا أيضًا: أنَّ نَقْصَ أجرِ الغانمِ بمَا فتحَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهِ من الدُّنْيَا، وحسابَ ذلكَ بِتَمَتُّعِهِ عليهِ في الدُّنْيَا، وذَهَابِ شَظَفِ عَيْشِهِ في غَزْوِهِ وبعدَهُ، إذا قوبِلَ بمَن أَخْفَقَ ولم يُصِبْ منهَا شيئًا، وبَقِيَ على شَظَفِ عَيْشِهِ، والصَّبرُ على غَزْوِهِ في حالِهِ، وجدَ أجرَ هذا أبدًا في ذلكَ وافيًا مُطَّرِدًا، بخلافِ الأوَّلِ. ومِثْلُهُ في الحديثِ الآخَرِ"فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأَكُلْ مِنْ أَجْرِهِِ شَيْئًا. وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدُبُهَا".
وأقولُ: أمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الحديثيْنِ: فقد نَبَّهْنَا على بُعْدهِ. فَأَمَّا الإشكالُ في الحديثِ الثَّانِي: فظاهرُهُ جارٍ على القياسِ. لأنَّ الأجورَ قد تتفاوتُ بحسبِ زيادةِ الْمَشَقَّاتِ، لا سِيَّمَا مَا كانَ أجرُهُ بحسبِ مَشَقَّتِهِ، أو لِمَشَقَّتِهِ دَخْلٌ في الأجرِ. وإنَّما يَشْكُلُ عليهِ العملُ الْمُتَّصِلُ بأخذِ الغنائمِ. فلعلَّ هذا من بابِ تقديمِ بعضِ المصالحِ الْجُزْئِيَّةِ على بعضٍ. فإنَّ ذلكَ الزَّمنَ كانَ الإسلامُ فيه غريبًا -أعنِي ابتداءَ زمنِ النبوَّةِ- وكانَ أَخْذُ الغنائمِ عَوْنًا على عُلُوِّ الدِّينِ وقوَّةِ المسلمينَ، وضعفاءِ المهاجرينَ. وهذه مصلحةٌ عُظْمَى. قد يُغْتَفَرُ لهَا بعضُ النَّقصِ في الأجرِ من حَيْثُ هوَ هوَ.
وأمَّا مَا قيلَ في أهلِ بدرٍ: فقد يُفْهَمُ منهُ أنَّ النُّقْصَانَ بالنِّسبةِ إلى الغيرِ. وليسَ ينبغِي أن يكونَ كذلكَ، بل ينبغِي أن يكونَ التَّقابُلُ بَيْنَ كمالِ أجرِ الغازِي نفسِهِ إذا لم يَغْنَمْ، وأجرِهِ إذا غَنِمَ. فيقتضِي هذا أن يكونَ حالُهُمْ عِنْدَ عدمِ الغنيمةِ أفضلَ