الوُضُوءَ لَا يَفْسُدُ بِتَأْخِيرِ الاسْتِنْجَاءِ عَنْهُ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى القَولِ بِكَوْنِ الوَاوِ للتَّرْتِيبِ، وَهُو مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، وَفِي هَذَا التَّوَقُّفِ نَظَرٌ، وَلِيُعْلَمَ بِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الوُضَوءُ بِتَأْخِيرِ الاسْتِنْجَاءِ، إِذَا كَانَ الاسْتِنْجَاءُ بِحَائِلٍ يَمْنَعُ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ.
وَحَادِي عَشْرِهَا: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ فِي المَذْيِ الاقْتِصَارُ عَلَى الأَحْجَارِ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَدَلِيلُهُ أَمْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يُعَيِّنُ الغَسْلَ، وَالمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الامْتِثَالُ إِلَّا بِهِ.
ثَانِي عَشْرِهَا: (( الفَرْجُ ) )هُنَا هُوَ الذَّكَرُ، وَالصِّيغَةُ لَهَا وَضْعَانِ: لُغَويٌّ، وَعُرْفِيٌّ، فَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِن الانْفِرَاجِ، فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الدُبُرُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِمَسِّهِ، لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَولِهِ: (( مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَّأْ ) ). وَأَمَّا العُرْفِيُّ، فَالغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي القُبُلِ مِن الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ اسْتَدَلُّوا فِي انْتِقَاضِ الوُضُوءِ بِمَسِّ الدُبُرِ بِالحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (( مَن مَسَّ فَرْجَهُ ) )، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ المُسْتَدِلِ بِهِ عُرْفٌ يُخَالِفُ الوَضْعَ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقَدِّمُ الوَضْعَ اللُّغَوِيَّ عَلَى الاسْتِعْمَالِ العُرْفِيِّ.
24 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَميمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: شُكِىَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الرَّجُلَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: (( لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدُ رِيحًا ) ).
(( الشَّيءُ ) )المُشَارُ إِلَيْهِ هِي الحَرَكَةُ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا حَدَثٌ، وَالحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِعْمَالِ الأَصْلِ وَطَرْحِ الشَّكِّ، وَكَأَنَّ العُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهَا، مِثَالُهُ هَذِهِ المَسْأَلَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الحَدِيثُ، وَهِيَ: (( مَنْ شَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ سَبْقِ الطَّهَارَةِ ) )، فَالشَّافِعِيُّ أَعْمَلَ الأَصْلُ السَّابِقُ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَطَرَحَ الشَّكَ الطَّارِئَ، وَأَجَازَ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، وَمَالِكٌ مَنَعَ مِن الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ، وَكَأَنَّهُ أَعْمَلَ الأَصْلَ الأَوَّلَ، وَهُوَ تَرَتُّبُ الصَّلَاةِ فِي الذِّمَّةِ، وَرَأَى أَنْ لَا يُزَالَ إِلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيقَّنَةٍ، وَهَذَا الحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي إِعْمَالِ الطَّهَارَةِ الأُولَى، وَاطِّرَاحِ الشَّكِّ.
وَالقَائِلُونَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا، فَالشَّافِعِيُّ اطَّرَحَ الشَّكَّ مُطْلَقًا، وَبَعْضُ المَالِكِيَّةِ اطَّرَحَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، فَإِنَّ القَاعِدَةَ أَنَّ مَوْرِدَ النَّصِ إِذَا وُجِدَ فِيهِ مَعْنَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الحُكْمِ، فَالأَصْلُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ، وَعَدَمَ اطِّرَاحِهِ، وَهَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اطِّرَاحِ الشَّكِّ إِذَا وُجِدَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَونُهُ مَوجُودًا فِي الصَّلَاةِ مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتبَرًا، فَإِنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ مَانِعٌ مِن إبْطَالِهَا، عَلَى مَا اقْتََضَاهُ اسْتِدْلَالُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [مُحَمَّد: 33] ، فَصَارَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ أَصْلًا سَابِقًا عَلَى حَالَةِ الشَّكِ، مَانِعًا مِن الإِبْطَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن إِلْغَاءِ الشَّكِ مَعَ وُجُودِ المَانِعِ مِن اعْتِبَارِهِ إِلغَاؤُهُ مَعَ عَدَمِ المَانِعِ، وَصِحَّةُ العَمَلِ ظَاهِرًا، مَعْنًى يُنَاسِبُ عَدَمَ الالتِفَاتِ إِلَى الشَّكِ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ، فَلَا يَنْبَغِي إِلْغَاؤُهُ.
وَمِن أَصْحَابِ مَالِكٍ مَن قَيَّدَ هَذَا الحُكْمَ - أَعْنِي إِطْرَاحَ هَذَا الشَّكِ - بِقَيْدٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي سَبَبٍ حَاضِرٍ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ، حَتَّى لَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِ الحَدَثِ عَلَى وَقْتِهِ الحَاضِرِ لَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ. وَمَأْخَذُ هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِن أَنَّ مَوْرِدَ النَّصِّ اعْتِبَارُ أَوْصَافِهِ الَّتِي يَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا، وَمَوْرِدُ النَّصِ اشْتَمَلَ عَلَى هَذَا الوَصْفِ، وَهُوَ كَونُهُ شَكٌّ فِي سَبَبٍ حَاضِرٍ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا