فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 381

ابنِ عُمَرَ مَحْمُولًا عَلَى أَنْ تُسَمَّى بِذَلِكَ الاسمِ غَالِبًا أو دَائمًا.

الثَّالِثُ: فِي الحَديثِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ الأَولَى: تَأخِيرُ العِشاءِ. وَقَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ العُلَماءِ فيهِ. وَوجْهُ الاستِدْلالِ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَولا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ) )، أَو (( عَلَى النَّاسِ ) )إلخ. وَفيهِ دَليلٌ عَلَى أنَّ المَطلُوبَ تَأخِيرُهَا لَولا المَشَقَّةُ.

الرَّابِعُ: قَد حَكَينَا أنَّ (( العَتَمَةَ ) )اسمٌ لِثُلُثِ الْلَيلِ بعدَ غَيبوبَةِ الشَّفَقِ فَلا ينْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَولُهُ: (( أَعتَمَ ) )عَلَى أَوَّلِ أَجزَاءِ هَذَا الوَقتِ، فَإنَّ أَوَّلَ أَجزَائهِ: بَعدَ غَيبُوبةِ الشَّفقِ. وَلا يَجوزُ تَقدِيمُ الصَّلاةِ عَلَى ذَلكَ الوَقتِ. وَإنَّمَا ينْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى آخِرِهِ، أَو ما يُقارِبُ ذَلِكَ. فَيكُونُ ذلِكَ مُخالِفًا لِلعَادَةِ، وَسببًا لِقَولِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيانُ.

الخَامِسُ: قَد كُنَّا قَدَّمْنَا فِي قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُم بِالسِّوَاكِ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ ) )، أَنَّهُ استَدَلَّ بِذلِكَ عَلَى أنَّ الأَمْرَ لِلوُجُوبِ. فَلَكَ أنْ تَنْظُرَ: هَلْ يَتَسَاوَى هَذَا اللَّفْظُ مَع ذَلِكَ فِي الدِّلالَةِ، أَمْ لا؟

فَأَقُولُ: لِقَائلٍِ أَنْ يَقُولَ: لا يَتَسَاوَى مُطْلقًا. فَإِنَّ وجْهَ الدَّلِيلِ ثَمَّ: أَنَّ اكَلِمَةَ (( لَولا ) )تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيءِ لِوُجُودِ غَيرِهِ. فَيقْتضِي ذَلكَ انْتِفَاءَ الأَمْرِ لِوجُودِ المَشَقَّةِ. وَالأَمْرُ المُنْتَفِي لَيسَ أَمْرَ الاستِحبَابِ، لِثُبوتِ الاستِحبَابِ فَيكُونُ المُنْتَفَى، هُوَ أَمْرُ الوُجُوبِ. فَثَبَتَ أَنَّ الأَمْرَ المُطلَقَ لِلوجُوبِ. فَإِذا اسْتَعْمَلْنَا هَذَا الدَّلِيلَ فِي هَذَا المَكَانِ، وقُلْنَا: إِنَّ الأَمْرَ المُنْتَفِي لَيسَ أَمْرَ الاسْتِحبَابِ - لِثُبوتِ الاستِحبَابِ - تَوَجَّهَ المَنْعُ هَهُنَا، عِندَ مَن يَرى أَنَّ تقدِيمَ العِشاءِ أفْضَلُ بِالدَّلَائلِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُضَمَّ إلى الاسْتِدْلَالِ: الدَّلائلُ الخَارِجَةُ الدَّالَّةُ عَلَى اسْتِحبابِ التَّأْخِيرِ فَيتَرجَّحُ عَلَى الدَّلائِلِ المُقْتَضِيةِ لِلتَّقدِيمِ. وَيُجْعَلُ ذَلكَ مُقَدِّمَةً. وَيكُونُ المَجْموعُ دَلِيلًا عَلَى أنَّ الأمْرَ لِلوجُوبِ. فَحِينَئذٍ يَتِمُّ ذَلِكَ بِهَذهِ الضَّمِيمَةِ.

السَّادِسُ: فِي الحَديثِ دَلِيلٌ عَلَى تَنْبِيهِ الأَكَابِرِ: إِمَّا لاحتِمَالِ غَفْلَةٍ، أو لاسْتِثَارَةِ فَائدَةٍ مِنْهُم فِي التَّنبِيهِ. لِقولِ عُمَرَ: رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيانُ.

السَّابِعُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكونَ قَولُهُ: رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ رَاجِعًا إِلَى مَن حَضَرَ المَسجِدَ مِنهُمْ، لِقِلَّةِ احْتِمَالِهِم المَشَقَّةَ فِي السَّهَرِ. فَيرْجِعُ ذَلِكَ إِلى أَنَّهُم كَانُوا يَحْضُرونَ المَسْجِدَ لصَلاةِ الجَمَاعَةِ. وَيُحتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلى مَن خَلَّفَهُ المُصَلُّونَ فِي البُيُوتِ مِن النِّسَاءِ وَالصِّبْيانِ. وَيَكُونُ قَولُهُ: رَقَدَ النِّسَاءُ، إِشْفَاقًا عَلَيْهِنَّ مِن طُولِ الانْتِظَارِ.

52 -الحَدِيثُ السَّابِعُ: عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أُقِيمَت الصَّلاةُ، وَحَضَرَ العَشاءُ، فَابْدَأُوا بِالعَشاءِ ) ).

53 -وَعَن ابنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.

لا يَنْبَغِي حَمْلُ الأَلِفِ وَاللَّامِ فِي (( الصَّلاةِ ) )عَلَى الاسْتِغْرَاقِ، وَلا عَلَى تَعْرِيفِ المَاهِيَّةِ. بَل يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى المَغْرِبِ. لِقَولِهِ: (( فَابْدَأُوا بِالعَشَاءِ ) )وَذَلِكَ يُخْرِجُ صَلاةَ النَّهَارِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ. وَيَبْقَى التَّرَدُّدُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. فَيَتَرَجَّحُ حَمْلُهُ عَلَى المَغْرِبِ، لِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ، فَابْدَأُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا ) )وَهُو صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ أَيضًا صَحَّ: (( فَابْدَأُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ ) )وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَالظَّاهِرِيَّةُ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الحَدِيثِ فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى الصَّلاةِ. وَزَادُوا - فِيمَا نُقِلَ عَنْهُم - فَقَالُوا: إِنْ صَلَّى فَصَلاتُهُ بَاطِلَةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت