فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 381

والحديثُ دليلٌ على جوازِ الصَّلاةِ في النِّعالِ، ولا ينبغِي أنْ يؤخذَ منهُ الاستحبابُ، لأنَّ ذلكَ لا يدخلُ في المعنَى المطلوبِ مِن الصَّلاةِ.

فإنْ قلتَ: لعلَّهُ مِن بابِ الزِّينةِ، وكمالِ الهيئةِ، فيجري مجرَى الأَرْدِيَةِ والثيابِ التي يستحبُّ التَّجمُّلُ بِهَا في الصَّلاةِ؟

قلتُ: هوَ - وإن كَانَ كذلكَ - إلاَّ أنَّ ملابستَهُ للأرضِ التِي تكثُرُ فيهَا النَّجاساتُ ممَّا يقصِّرُ بهِ عن هذا المقصودِ، ولكنَّ البناءَ على الأصلِ- إن انتهضَ- دليلٌ على الجوازِ، فيُعملُ به في ذلك، والقصورُ الذي ذكرناهُ عن الثيابِ المتجمَّلِ بها يمنعُ من إلحاقهِ بالمستحبَّاتِ، إلاَّ أَنْ يَردَ دليلٌ شرعيٌّ بإلحاقهِ بمَا يُتجمَّلُ بهِ، فيُرجعُ إليهِ، ويُتركُ هذا النظرُ.

وممَّا يقوِّي هذا النَّظرَ - إنْ لمْ يردْ دليلٌ على خلافهِ - أنَّ التزيُّنَ في الصَّلاةِ مِنَ الرُّتبةِ الثَّالثةِ مِن المَصالحِ، وهيَ رُتبةُ التزييناتِ والتَّحسيناتِ، ومراعاةُ أمرِ النجاسةِ من الرُّتبةِ الأُولَى وهيَ الضَّرورياتُ، أو منَ الثانيةِ، وهي الحاجياتُ على حسبِ اختلافِ العلماءِ في حكمِ إزالةِ النَّجاسةِ، فيكونُ رعايةُ الأُولَى بدفعِ ما قدْ يكونُ مزيلًا لهَا أرجحَ بالنَّظرِ إليهَا، ويُعملُ بذلكَ في عدمِ الاستحبابِ، وبالحديثِ في الجوازِ، ويُرَتَّبُ كلُُّ حكمٍ على ما يناسبُه، ما لمْ يمنعْ من ذلكَ مانعٌ، واللهُ أعلمُ.

وقدْ يكونُ في الحديثِ دليلٌ على جوازِ البناءِ علَى الأصلِ في حكمِ النَّجاساتِ والطهاراتِ. واختلفَ الفقهاءُ فيمَا إذا عارضَهُ الغالبُ أيُّهمَا يُقدَّمُ؟ وقدْ جاءَ في الحديثِ الأمرُ بالنَّظرِ إلى النَّعلينِ، ودلكِهِمَا إن رأَى فيهمَا أذًى، أو كَمَا قالَ، فإِذَا كانَ الغالبُ إصابة النَّجاسةِ، فالظاهرُ رؤيتُهَا لأمرِه بالنَّظرِ، فإذَا رآهَا، فالظَّاهِرُ دلكُهُمَا لأمرِه بذلكَ عندَ الرُّؤيةِ، فإذا فعلَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانَ طَهورًا لهُمَا علَى مَا جَاءَ في الحديثِ - لم يكنْ ذلكَ مِن بابِ تعارضِ الأصلِ والغالبِ، بلْ يكونُ من ذلكَ البابِ ما لَوْ صلَّى فيهمَا مِن غيرِ دَلكٍ، فإن قلتَ: الأصلُ عدمُ دلكِه، قلتُ: لكنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أَمرَ بشئٍ مِن هذا لم يتركْهُ، كما بينَّاهُ، والظَّنُّ المستفادُ بهذا راجحٌ علَى الأصلِ الذي ذكرتُه، وهو أنَّهُ لم يدِلكْهُ.

96 -الحديثُ الثَّالثَ عشرَ: عَن أبِي قتادةَ الأنصاريِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يصلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأبِي العاصِ بنِ الربيعِ بنِ عبدِ شمسٍ، فإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.

(( أبو قتادةَ ) )اسمُه الحارثُ بنُ رِبْعِيٍّ - بكسرِ الرَّاءِ المُهملةِ وسكونِ الباءِ المُوحدةِ وكسرِ العينِ المُهملةِ وتشديدِ الياءِ - ابنُ بُلدُمةَ - بضم الباء والدال وفتحهما - ماتَ بالمدينةِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ، وقيلَ: ماتَ في خلافةِ عليٍّ بالكوفةِ، وهو ابنُ سبعينَ سنةً، ويقالُ: سنةُ أربعينَ، وقيلَ: إنهُ كان بدريًّا، ولا خلافَ أنَّهُ شهدَ أُحُدًا وما بعدَها، والكلامُ علَى هذَا الحديثِ من وجهينِ:

أحدُهما: النَّظرُ في هذا الحملِ ووجهِ إباحتِه.

الثَّانِي: النَّظرُ فيمَا يتعلَّقُ بطهارةِ ثوبِ الصبيَّةِ.

فأمَّا الأولُ: فقدْ تكلَّموا في تخريجِه على وجوهٍ: أحدُها: أنَّ ذلكَ في النَّافلةِ، وهو مرويٌّ عن مالكٍ، وكأنَّه لمَّا رأَى المُسامحةَ في النَّافلةِ قد تقعُ في بعضِ الأركانِ والشرائطِ كانَ ذلكَ تأنيسًا بالمُسامحِة في مثلِ هذا، ورُدَّ هذَا القولُ بما وقعَ في بعضِ الرواياتِ الصحيحةِ بينمَا نحنُ ننتظرُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الظُّهرِ - أو العصرِ - خرجَ علينَا حاملًا أُمَامَةَ - وذكرَ الحديثَ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت