فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 381

وظاهرهُ يقتضِي أنَّ ذلكَ كانَ في الفريضةِ، وإن كانَ يحتملُ أنَّه في نافلةٍ سابقةٍ على الفريضةِ، وممَّا يُبعدُ هذا التأويلَ أَنَّ الغالبَ في إمامةِ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهَا كانتْ في الفرائضِ دونَ النَّوافلِ، وهذا يتوقَّفُ على أن ْيكونَ الدليلُ قائمًا على كونِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ إمامًا، وقد وردَ ذلكَ مصرَّحًا بهِ في روايةِ سُفيانَ بنِ عيينةَ بسندِه إلى أبي قتادةَ الأنصاريِّ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمُّ الناسَ، وأمامةُ بنتُ أبِي العاصِ - وهي بنتُ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عاتِقهِ، الحديثَ.

الوجهُ الثاني: أنَّ هذا الفعلَ كانَ للضَّرورةِ، وهو مرويٌّ أيضًا عن مالكٍ، وفرَّقَ بعضُ أتباعِهِ بينَ أنْ تكونَ الحاجةُ شديدةً، بحيثُ لا يجدُ مَن يكفيهِ أمرَ الصبيِّ، ويخشَى عليهِ، فهذَا يجوزُ في النَّافلةِ والفريضةِ، وإن كانَ حملُ الصبيِّ في الصَّلاةِ على معنَى الكفايةِ لأمِّهِ، لشُغلِها بغيرِ ذلكَ، لمْ يصلُحْ إلاَّ في النَّافلةِ.

وهذَا أيضًا عليهِ مِنَ الإِشكالِ: أنَّ الأصلَ استواءُ الفرضِ والنَّفلِ في الشرائطِ والأركانِ إلا مَا خصَّه الدليلُ.

الوجهُ الثالثُ: أنَّ هذَا منسوخٌ، وهو مرويٌّ أيضًا عن مالكٍ. قال أبو عمرَ: ولعلَّ هذا نُسخَ بتحريمِ العملِ والاشتغالِ في الصَّلاةِ بغيرهَا، وقد رُدَّ هذَا بأنَّ قولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّ في الصَّلاةِ لشُغلًا ) )، كان قبلَ بَدْرٍ عندَ قدومِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ مِنَ الحبشةِ، فإنَّ قدومَ زينبَ وابنتِها إلى المدينةِ كانَ بعدَ ذلكَ، ولو لمْ يكن الأمرُ كذلكَ، لكانَ فيهِ إثباتُ النَّسخِ بمجرَّدِ الاحتمالِ.

الوجهُ الرابعُ: أنَّ ذلكَ مخصوصٌ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذكرَهُ القاضِي عياضٌ، وقدْ قيلَ: هذا مخصوصٌ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ لاَ يُؤمَنُ مِنَ الطِّفلِ البولُ وغيرُ ذلكَ علَى حاملِهِ، وقد يُعصَمُ منهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتُعلَمُ سلامتُه من ذلكَ مدَّةَ حملِه.

وهذَا الذي ذكرَهُ إِنْ كانَ دليلًا على الخُصوصِ، فَبِالنِّسبةِ إلى ملابسةِ الصبيِّةِ، مع احتمالِ خروجِ النَّجاسةِ منهَا، وليسَ في ذلكَ تعرُّضٌ لأمرِ الحملِ بخصوصِه الذي الكلامُ فيهِ، ولعلَّ قائلَ هذَا لمَّا أثبتَ الخصوصيَّةَ في الحملِ بما ذكرَهُ - مِن اختصاصِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجوازِ عِلْمِه بعصمةِ الصبيَّةِ مِنَ البولِ حالةَ الحملِ - تأنَّسَ بذلكَ، فجعَلَهُ مخصوصًا بالعملِ الكثيرِ أيضًا، فقدْ يفعلونَ ذلكَ في الأبوابِ التي ظهرتْ خصوصياتُ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها، ويقولونَ: خُصَّ بكذا في هذا البابِ، فيكونُ هذا مخصوصًا، إلا أنَّ هذا ضعيفٌ مِن وجهينِ:

أحدُهما: أنهُ لا يلزمُ مِنَ الاختصاصِ في أمرٍ: الاختصاصُ في غيرِه بلاَ دليلٍ، فلا يدخلُ القياسُ في مثلِ هذَا والأصلُ عدمُ التَّخصيصِ.

الثَّانِي: أنَّ الذي قرَّبَ دعواهُ الاختصاصَ لجوازِ الحملِ هو ما ذكرَهُ مِنْ جوازِ اختصاصِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعِلْمِ بالعِصْمَةِ مِن البوْلِ، وهذَا معنًى مناسبٌ لاختصاصِه بجوازِ ملابستِه للصبيَّةِ في الصَّلاةِ، وهو معدومٌ فيمَا نتكلَّمُ فيهِ مِن أمرِ الحملِ بخصوصهِ، فالقولُ بالاختصاصِ فيهِ قولٌ بلا عِلَّةٍ تناسبُ الاختصاصَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت