فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 381

المُصَنِّفُ، وَقَدْ يُشِيرُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ: (( فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا ) )، فَالأَشْبَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَدْرَ أَيَّامِهَا. وَصَحَّفَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَقَالَ: (( فَإِذَا ذَهَبَ قَذَرُهَا ) )بِالذَّالِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ، أَيْ قَدْرُ وَقْتِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ: (( فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي ) )مُشْكِلٌ فِي ظَاهِرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الغُسْلَ وَلَابُدَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَيْضِ مِنَ الغُسْلِ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الإِشْكَالَ عَلَى أَنْ جَعَلَ الإِدْبَارَ انْقِضَاءَ أَيَّامِ الحَيْضِ وَالاغْتِسَالِ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: (( فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ) )مَحْمُولًا عَلَى دَمٍ يَأْتِي بَعْدَ الغُسْلِ. وَالجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ - وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الغُسْلُ - فَقَدْ ذُكِرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ، فَقَالَ فِيهَا: (( وَاغْتَسِلِي ) ). وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ دَمِ الحَيْضِ.

41 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ أُمَّ حَبِيَبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.

(( أُمُّ حَبِيبةَ ) )هَذِهِ ابْنَةُ جَحْشِ بنِ رِئابٍ الأَسْدِيِّ، أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وَيُقَالُ فِيهَا: أُمُّ حَبِيبٍ، وَأَهْلُ السِّيَرِ يَقُولُونَ: إِنَّ المُسْتَحَاضَةَ حَمْنةٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَّرِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ: أَنَّهُمَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَتَينِ جَمِيعًا، وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ مِن هَذَا الكِتَابِ (( فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) )، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا أَحَدِهِمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحِ: (( فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) )، وَفِى كِتَابِ مُسْلِمٍ عَن اللَّيْثِ: (( لَمْ يَذْكُرِ ابنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبَيْبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ ) ).

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ المُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَدْ وَرَدَ الأَمْرُ بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ، خَارِجَ الصَّحِيحِ. وَالَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا الغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مُسْتَحَاضَةٍ نَاسِيَةٍ لِلوَقْتِ وَالعَدَدِ، يَجُوزُ فِي مِثْلِهَا أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ عَنْهَا فِي وَقْتِ كَلِّ صَلَاةٍ. وَاسْتَدَّلَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِقَولِهِ فِي الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ: (( اغْتَسِلِي وَصَلِّي ) )مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْمُرُ بَتَكْرَارِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَو وَجَبَ لَأَمَرَ بِهِ. وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّ المُسْتَحَاضَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ وَحْدَهُ، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مَا ذَكَرَهُ.

42 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (( كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلَانَا جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلَهُ وَأَنَا حَائِضٌ ) ).

الكَلَامُ عَلَى هَذَا الحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: هُوَ أَنَّ اغْتِسَالَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ، وَقَدْ مَرَّ الكَلَامُ فِيهِ.

الثَّانِي: جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ فَوقَ الإِزَارِ، لِقَوْلِهَا: (( فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي ) )، وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِيمَا تَحْتَ الإِزَارِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت