فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 381

425 -الحديثُ الأوَّلُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهمَا: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُِ عَليهِ وسلَّمَ قالَ: (( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ: قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ) ).

الكلامُ عليْهِ من وجوهٍ:

الأوَّلُ: صِيغَةُ"مَنْ"للعمومِ. فَيَقْتَضِي دخولَ أصنافِ الْمُعْتِقِينَ في الْحُكْمِ المذكورِ، ومنهمْ المريضُ وقد اخْتُلِفَ في ذلكَ. فالشَّافعيَّةُ يَرَوْنَ أنَّه إن خرجَ من الثُّلُثِ جميعُ العبدِ قُوِّمَ عليْهِ نصيبُ الشَّريكِ، وعَتَقَ عليْهِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المريضِ في ثُلُثِهِ: كَتَصَرُّفِ الصَّحيحِ في كُلِّهِ، ونَقَلَ أحمدُ: أنَّه لا يقومُ في حالِ المريضِ، وذَكَرَ قاضِي الجماعةِ -أبُو الوليدِ بنُ رُشْدٍ المالِكِيُّ عن ابنِ الْمَاجِشُونِ من المالكيَّةِ- فيمَن أَعْتَقَ حَظَّهُ من عبدٍ بينهُ وبينَ شريكِهِ في المرضِ: أنَّه لا يُقَوَّمُ عليْهِ نصيبُ شريكِهِ إلَّا من رأسِ مالِهِ، إن صَحَّ. وإن لم يَصِحَّ: لم يُقَوَّمْ في الثُّلُثِ على حالٍ، وعَتَقَ من حَظِّهِ وحدَهُ. والعمومُ كمَا ذَكَرْنَا يَقْتَضِي التَّقويمَ، وتخصيصُهُ بمَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ: مأخوذٌ من الدَّليلِ الدَّالِّ على اختصاصِ تَصَرُّفِ المريضِ بالتبرُّعَاتِ في الثُّلُثِ.

الثَّانِي: العمومُ يدخلُ فيهِ المسلمُ والكافرُ. وللمالكيَّةِ تَصَرُّفٌ في ذلكَ. فإن كانَ الشَّريكانِ والعبدُ كُفَّارًا: لم يُلْزَمُوا بالتَّقويمِ. وإن كانَا مُسْلِمَيْنِ والعبدَ كافرًا: فالتَّقويمُ وإن كانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا والآخَرُ كافرًا. فإن أُعْتِقَ المسلمُ كُمِّلَ عليْهِ، كانَ العبدُ مسلمًا أو ذِمِيًّا. وإن أَعْتَقَ الكافرُ فقد اخْتَلَفُوا في التَّقويمِ على ثلاثةِ مذاهبَ: الْإِثْبَاتِ، والنَّفْيِ، والْفَرْقِ بَيْنَ أن يكونَ العبدُ مسلمًا. فيَلْزَمُ التَّقويمُ، وبَيْنَ أن يكونَ ذميًّا، فلا يَلْزَمُ. وإن كانَا كَافِرَيْنِ والعبدُ مسلمًا فروايَتَانِ. وللحنابِلَةِ أيضًا وجهانِ فيمَا إذا أَعْتَقَ الكافرُ نصيبَهُ من مسلمٍ، وهوَ مُوسِرٌ: هل يَسْرِي إلى بَاقِيهِ؟:

وهذا التَّفصيلُ الَّذي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي تخصيصَ صُوَرٍ من هذه الْعُمُومَاتِ.

أَحَدُهَا: إذا كانَ الجميعُ كفَّارًا، وسببُهُ: مَا دَلَّ عندهُمْ على عدمِ التَّعَرُّضِ للكفَّارِ في خصوصِ الأحكامِ الفرعيَّةِ. وثانِيهَا: إذا كانَ الْمُعْتِقُ هوَ الكافرُ، على مذهبِ مَن يَرَى أن لا تقويمَ، أو لا تقويمَ إذا كانَ العبدُ كافرًا.

فأمَّا الأوَّلُ: فَيَرَى أنَّ المحكومَ عليهِ بالتَّقويمِ هو الكافرُ. ولا إلزامَ لهُ بأحكامِ فروعِ الإسلامِ. وأمَّا الثَّانِي: فَيَرَى أنَّ التقويمَ إذا كانَ العبدُ مسلمًا لِتَعَلُّقِ حقِّ الْعِتْقِ بالمسلمِ. وثالثُهَا: إذا كانَا كافريْنِ. والعبدُ مسلمًا على قولٍ. وسببُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ من تَعَلُّقِ حقِّ المسلمِ بِالْعِتْقِ. ْ

واعْلَمْ أنَّ هذه التخصيصاتِ: إن أُخِذَتْ من قاعدةٍ كُلِيَّةٍ لا مُسْتَنَدَ فيهَا إلى نَصٍّ مُعَيَّنٍ، فتحتاجُ إلى الاتِّفاقِ عليْهَا، وإثباتِ تلكَ القاعدةِ بدليلٍ. وإن اسْتَنَدَتْ إلى نَصٍّ مُعَيِّنٍ، فلا بدَّ من النَّظرِ في دلالتِهِ مع دلالةِ هذا العمومِ، ووجهِ الْجَمْعِ بينهمَا أو التَّعَارُضِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت