بدلالتِه حُرِّمَ، وإن كَانَ عَلَى غيرِ ذَلِكَ، لم يُحَرَّمْ.
وحديثُ أبِي قتادةَ هَذَا يدلُّ عَلَى جوازِ أَكْلِهِ في الْجُمْلَةِ، وَهُوَ عَلَى خلافِ مَذْهَبِ الأَوَّلِ، ويَدُلُّ ظاهرُه عَلَى أَنَّهُ إِذَا لم يُشِر المُحْرِمُ إليه، وَلاَ دلَّ عَلَيْهِ، يجوزُ أَكْلُه، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الموانعَ المانعةَ مِن أَكْلِه، والظاهرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غيرُها مانعًا لذُكِرَ، وإِنما احتَجَّ الشَّافعيُّ عَلَى تحريمِ مَا صِيدَ لأجلِه مطلقًا، وإِن لم يكنْ بدلالتِه وإذنِه بأمورٍ أُخْرَى، مِنْهَا حديثُ جابرٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لحمُ الصيدِ لكم حلالٌ، مَا لم تَصِيدُوه، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ ) ).
وَالَّذِي فِي الروايةِ الأُخْرَى مِن قولِه عَلَيْهِ السَّلامُ: (( هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ) ). فِيْهِ أمرانِ: أحدُهما تَبَسُّطُ الإِنسانِ إِلَى صاحبِه فِي طلبِ مثلِ هَذَا. وَالثَّانِي: زيادةُ تَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ فِي مُوافَقَتِهِمْ فِي الأكلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لنا قولُه، عَلَيْهِ السَّلامُ: (( لَوْ اسْتَقْبَلْتُ من أمري مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَما سُقْتُ الهديَ ) ). والإِشارةُ إِلَى أنَّ ذَلِكَ لِطَلبِ موافقتِهم فِي الحلقِ، فَإِنَّهُ كَانَ أطيبَ لِقُلُوبِهِمْ.
253 -الحديثُ الثَّانِي: عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ الليثيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، (( أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بالأبْوَاءِ - أَوْ بودَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ ) ). وَفِي لفظٍ لِمُسْلِمٍ: (( رِجْلَ حِمَارٍ ) ). وَفِي لفظٍ: (( شِقَّ حِمَارٍ ) ). وَفِي لفظٍ: (( عَجُزَ حِمَارٍ ) ).
وجهُ هَذَا الحديثِ أَنَّهُ ظنَّ أَنَّهُ صِيدَ لأجلِه والمُحْرِمُ لاَ يأكلُ مَا صِيدَ لأجلِه.
(( الصَّعْبُ ) )بالصادِ المهملةِ والعينِ المهملةِ أَيْضًا، و (( جَثَّامَةَ ) )بفتحِ الجيمِ وتشديدِ الثاءِ المثلثةِ وفتحِ الميمِ. وقولُه: (( أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )الأصلُ أن يَتَعَدَّى (( أَهْدَى ) )بإلى، وَقَدْ يتعدَّى باللامِ، ويكونُ بمعناه، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تكونَ اللامُ بمعنى (( أَجْلِ ) )وَهُوَ ضعيفٌ.
وقولُه: (( حِمَارًا وَحْشِيًّا ) ). ظاهرُه أَنَّهُ أَهْدَاهُ بِجُمْلَتِه، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حيًّا، وَعَلَيْهِ يدلُّ تبويبُ البخاريِّ، رحمَه اللهُ. وقيلَ: إِنَّهُ تأويلُ مَالكٍ، رحمَه اللهُ، وَعَلَى مقتضاه يُسْتَدَلُّ بالحديثِ عَلَى مَنْعِ وضعِ المُحْرِمِ يَدَهُ عَلَى الصيدِ بطريقِ التَّمَلُّكِ بالهديةِ، ويُقَاسُ عليها مَا فِي معناها مِن البيعِ والْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ رُدَّ هَذَا التأويلُ بالرواياتِ التي ذَكَرَها المُصَنِّفُ عن مُسْلِمٍ، مِن قولِه: (( عَجُزَ حِمَارٍ، أَوْ شِقَّ حِمَارٍ، أَوْ رِجْلَ حِمَارٍ ) ). فَإِنَّهَا قويَّةُ الدلالةِ عَلَى كونِ المُهْدَى بعضًا وغيرَ حيٍّ، فَيَحْتَمِلُ قولُه: (( حِمَارًا وَحْشِيًّا ) )المجازَ، وتسميةَ البعضِ باسمِ الكلِّ، أَوْ فِيْهِ حذفُ مضافٍ، وَلاَ تَبْقَى فِيْهِ دلالةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِن تَمَلُّكِ الصيدِ بالهبةِ عَلَى هَذَا التقديرِ.
وقولُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ ) ). (( إِنَّا ) )الأُولَى مكسورةُ الهمزةِ؛ لأنها ابتدائيةٌ، والثانيةُ مفتوحةٌ؛ لأنها حُذِفَ مِنْهَا اللامُ التي للتعليلِ، وأصلُه: إِلاَّ لأنَّا.
وقولُه: (( لَمْ نَرُدَّهُ ) )المشهورُ عندَ المُحَدِّثِينَ فِيهِ فتحُ الدالِ، وَهُوَ خلافُ مذهبِ المُحَقِّقِينَ مِن النحاةِ، ومُقْتَضَى مذهبِ سيبويهِ ضَمُّ الدالِ، وَذَلِكَ فِي كلِّ مُضَاعَفٍ مجزومٍ، أَوْ موقوفٍ، اتَّصَلَ بِهِ هاءُ ضميرِ المُذَكَّرِ، وَذَلِكَ مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمْ بأنَّ الهاءَ حرفٌ خَفِيٌّ، فكأنَّ الواوَ تاليةٌ للدالِ، لعدمِ الاعتدادِ بالهاءِ، وَمَا قبلَ الواوِ يُضَمُّ، وَعَبَّرُوا عن ضَمَّتِهَا بالإِتْبَاعِ لما بعدَها، وَهَذَا بخلافِ ضميرِ المُؤَنَّثِ إِذَا اتَّصَلَ بالمُضَاعَفِ المُشَدَّدِ، فَإِنَّهُ يُفْتَحُ باتِّفَاقٍ. وحُكِيَ فِي مثلِ هَذَا الأَوَّلِ الموقوفِ لغتانِ أُخْرَيَانِ، إحدَاهُما: الفتحُ، كَمَا يقولُ المُحَدِّثُونَ. والثانيةُ: الكسرُ، وَأُنْشِدَ فِيْهِ: