فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 381

يختارُ أوساطَ المفصَّلِ لصلاةِ العشاءِ الآخرةِ يحملُ ذَلِكَ عَلَى أنَّ السفرَ مناسبٌ للتَّخفيفِ، لاشتغالِ المسافرِ وتعبِهِ، والصَّحيحُ عندنَا أنَّ مَا صحَّ فِي ذَلِكَ عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لمْ يكثُر مواظبتُهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ جائزٌ من غيرِ كراهةٍ، كحديثِ جبيرِ بنِ مُطعمٍ فِي (( قراءةِ الطُّورِ فِي المغربِ ) )وكحديثِ قراءةِ (( الأعرافِ ) )فيهَا، وَمَا صحَّتِ المواظبَةُ عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي درجةِ الرُّجحانِ فِي الاستحبابِ إلاَّ أنَّ غيرَهُ مِمَّا قرأهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيرُ مكروهٍ، وَقَدْ تقدَّمَ الفرقُ بَيْنَ كونِ الشَّيءِ مستحبًّا وبينَ كونِ تركهِ مكروهًا، وحديثُ جبيرِ بنِ مطعمٍ المتقدِّمُ مِمَّا سمعَهُ مِن النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلَ إسلامهِ، لَمَّا قدمَ فِي فداءِ الأُسارَي، وَهَذَا النوعُ مِنَ الأحاديثِ قليلٌ، أعنِي التحمُّلَ قبلَ الإِسلامِ والأداءَ بعدَهُ.

103 -الحديثُ الخامسُ: عَنْ عَائِشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (( سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ صَنَعَ ذَلِكَ؟ ) )فَسألوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنَّا أُحِبُّ أَنْ أَقْرأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ ) ).

قولُها: (( فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) )يدلُّ عَلَى أنهُ كَانَ يقرأُ بغيرِهَا، والظاهرُ أَنَّهُ كَانَ يقرأُ (( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) )مَعَ غيرِهَا فِي ركعةٍ واحدةٍ، ويختِمُ بِهَا فِي تلكَ الرَّكعةِ، وإنْ كَانَ اللفظُ يَحتمِلُ أن يكونَ يختِمُ بِهَا فِي آخرِ ركعةٍ يقرأُ فيهَا السُّورةَ، وَعَلَى الأوَّلِ يكونُ ذَلِكَ دليلًا عَلَى جوازِ الجمعِ بَيْنَ السُّورتينِ فِي ركعةٍ واحدةٍ، إلاَّ أنْ يَزِيدَ الفاتحةَ معهَا.

وقولهُ: (( إِنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ ) )يَحتملُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ فيها ذِكْرَ صفةِ الرَّحمنِ، كَمَا إِذَا ذُكِرَ وصفٌ فعُبِّرَ عن ذَلِكَ الذِّكرِ بأنهُ الوصفُ، وإنْ لم يكنْ ذَلِكَ الذِّكرُ نفسَ الوصفِ، ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ غيرُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنهُ لاَ يختصُّ ذَلِكَ بِـ (قُلْ هُوَ اللهُ أحدٌ) ولعلَّها خُصَّتْ بِذَلِكَ لاختصاصِهَا بصفاتِ الربِّ تَعَالَى دونَ غيرِهَا.

وقولهُ: (( أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ ) )يَحتمِلُ أنْ يريدَ بمحبَّتهِ قراءةَ هَذِهِ السُّورةِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ لما شهدَ بِهِ كلامُه مِن محبَّتهِ لذكرِ صفاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وصحَّةِ اعتقادِه.

104 -الحديثُ السَّادسُ: عَنْ جابرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمعاذٍ: (( فلوْلاَ صلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعلَى، والشَّمْسِ وَضُحاهَا، وَ الْلَيلِ إِذَا يغْشَى؛ فإِنَّهُ يُصلِّي وَرَاءَكَ الْكبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ ) ).

فلمْ يتعيَّنْ فِي هَذِهِ الروايةِ فِي أيِّ صلاةٍ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ عُرِفَ أنَّ صَلاةَ العشاءِ الآخرةِ طَوَّلَ فيهَا معاذٌ بقومِه، فيدلُّ ذَلِكَ عَلَى استحبابِ قراءةِ هَذَا القدرِ فِي العشاءِ الآخرةِ، ومِن الحَسنِ أَيْضًا قراءةُ هَذِهِ السُّورِ بعينِها فيهَا، وَكَذَلِكَ كلُّ مَا وردَ عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن هَذِهِ القراءةِ المختلِفَةِ، فينبغي أَنْ تُفعَلَ، ولقد أحسنَ مَنْ قَالَ مِنَ العلماءِ: (( اعملْ بالحديثِ وَلَوْ مرَّةً، تكنْ مِنْ أَهْلِهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت