لَهُ حِلًّا )) .
فِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ بعثِ الهديِ مِن البلادِ البعيدةِ لِمَن لاَ يسافرُ معَه، ودليلٌ عَلَى استحبابِ تَقْلِيدِه للهديِ، وإشعارِه مِن بلدِه، بخلافِ مَا إِذَا سارَ مَعَ الهديِ، فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الإشعارَ إِلَى حِيْنِ الإحرامِ.
وَفِيهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ الإشعارِ فِي الجملةِ، خلافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ، وَهُوَ شَقُّ صفحةِ السَّنامِ طُولًا؛ وسَلْتُ الدمِ عَنْهُ، واختلفَ الفقهاءُ هَلْ يكونُ فِي الأيمنِ، أَوْ فِي الأيسرِ؟ ومَن أَنْكَرَه قَالَ: إِنَّهُ مُثْلةٌ، والعملُ بالسُّنَّةِ أَوْلَى.
وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى أن مَن بعثَ بِهَدْيِهِ لاَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ محظوراتُ الإحرامِ، ونُقِلَ فِيْهِ الخلافُ عن بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مشهورٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ فتلِ القلائدِ.
236 -الحديثُ الثَّانِي: عن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (( أَهْدَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً غَنَمًا ) ).
فِي هَذَا الحديثِ دليلٌ عَلَى إهداءِ الغنمِ.
237 -الحديثُ الثالثُ: عن أبِي هُريرةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنَّ نَبيَّ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: (( ارْكَبْهَا ) ). فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) وَفِي لَفْظٍ قَالَ: (( فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ: ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ ) ).
اخْتَلَفُوا فِي ركوبِ الْبَدَنَةِ المُهْدَاةِ عَلَى مذاهبَ، فَنُقِلَ عَن بعضِهم أَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ؛ لأن صيغةَ الأمرِ ورَدَتْ بِهِ، مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِن مخالفةِ سيرةِ الجاهليةِ، مِن مُجَانَبَةِ السائبةِ والوَصيلةِ والحامِي وَتَوَقِّيها، ورُدَّ عَلَى هَذَا بأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يَرْكَبْ هَدْيَهُ، وَلاَ أَمَرَ النَّاسَ بركوبِ الهدايا، وَمِنْهُمْ مَن قَالَ: يركبُها مُطْلَقًا مِن غيرِ اضطرارٍ، تمسُّكًا بظاهرِ هَذَا الحديثِ، وَمِنْهُمْ مَن قَالَ: لاَ يركبُها إِلاَّ عندَ الحاجةِ، فيركبُها مِن غيرِ إضرارٍ، وَهَذَا المنقولُ مِن مذهبِ الشَّافعيِّ، رحمَه اللهُ؛ لأنه جَاءَ فِي الحديثِ: (( ارْكَبْها إِذَا احْتَجْتَ إليها ) ). فَحُمِلَ ذَلِكَ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ، وَمِنْهُمْ مَن منعَ مِن ركوبِها إِلاَّ لضرورةٍ.
وقولُه: (( وَيْلَكَ ) ). كلمةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي التغليظِ عَلَى المُخَاطَبِ، وَفِيْهَا ههنا وجهانِ؛ أحدُهما: أنْ تَجْرِيَ عَلَى هَذَا المعنى، وإنما اسْتَحَقَّ صاحبُ البدنةِ ذَلِكَ، لمراجعتِه وتأخُّرِ امتثالِه لأمرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقولِ الراوي: فِي الثانيةِ أَوْ الثالثةِ.
وَالثَّانِي: أن لاَ يُرَادَ بِهَا موضوعُها الأصليُّ، ويكونَ مِمَّا جَرَى عَلَى لسانِ العربِ فِي المُخَاطَبَةِ من غيرِ قصدٍ لموضوعِه، كَمَا قيلَ فِي قولِه عَلَيْهِ السَّلامُ: (( تَرِبَتْ يَدَاكَ ) ). و (( أَفْلَحَ وأبيه إنْ صدقَ ) )وَكَمَا فِي قولِ العربِ: (( وَيْلَهُ ) )ونحوَه.
ومَن يَمْنَعُ ركوبَ البدنةِ مِن غيرِ حاجةٍ، يَحْمِلُ هَذِهِ الصورةَ عَلَى ظهورِ الحاجةِ إِلَى ركوبِها فِي الواقعةِ المُعَيَّنَةِ.
238 -الحديثُ الرابعُ: عن عَلَيِّ بنِ أبِي طالبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا ) ).