فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 381

ولَه صحَّ الصَّداقُ، ولا يْبقَى لَه عليهَا قيمةٌ، ولا لهَا عليهِ صداقٌ، وإنْ كانتْ مَجْهُولَةً. فالأصحُّ مِنْ وَجْهَيِ الشَّافِعيَّةِ أنَّه لا يصحُّ الصَّداقُ، ويَجِبُ مَهْرُ المثْلِ. والنِّكاحُ صحيحٌ.

ومنهمْ مَنْ صَحَّحَ الصَّدَاقَ بالقيمةِ المَجْهُولَةِ على ضَرْبٍ مِن الاستحْسَانِ، وأن العقدَ فيه ضربٌ مِن المُسَامَحةِ والتَّخفيفِ. وذهبَ جمَاعةٌ - منهم الثَّوريُّ والزُّهْريُّ، وقولٌ عنْ أحمدَ وإسحاقَ - أنَّه يجوزُ أنْ يُعْتِقَها على أن يتزوَّجَ

بها، ويكونَ عِتْقُها صَدَاقَها، ويَلْزَمُها ذلكَ، ويصحُّ الصَّداقُ على ظاهرِ لفظِ الحديثِ.

والأَوَّلُونَ قد يُؤَوِّلُونَهُ بما تقدَّمَ مِن أنَّهِ جَعَلَ عِتْقَها قائمًا مقامَ الصَّداقِ، فسمَّاهُ باسْمِه، والظَّاهِرُ مَعَ الفريقِ الثانِي، إلا أنَّ الِقياسَ معَ الأَوَّلِ. فَيَتَرَدَّدُ الحالُ بَيْنَ ظنٍّ نشَأَ مِن قياسٍ، وظنٍّ يَنْشَأُ مِن ظاهرِ الحديثِ، معَ احْتمالِ الواقعةِ للخُصُوصيةِ، وهي - وإن كانتْ على خلافِ الأصلِ - إلا أنَّه يُتَأَنَّسُ في ذلك بكْثرَةِ خصائصِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ في النِّكاحِ، لاسيَّما هذهِ الخصوصيةُ. لقولِه تعالى (الأحزاب: 50 وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ولعلَّه يُؤْخَذُ مِن الحديثِ استحْبابُ عِتْقِ الأَمَةِ وَتَزَوُّجِها، كما جاءَ مُصَرَّحًا به في حديثٍ آخرَ.

316 -الحديثُ الثَّانِي: عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعديِّ رضيَ اللهُ عنه, أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ"جاءَتْهُ امْرَأَةٌ. فقالتْ: إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِيَ لَكَ فَقَامَتْ طَويلًا. فقالَ رَجُلٌ يا رسولَ اللهِ، زوِّجْنِيهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فقالَ: (هلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ تُصْدِقُهَا؟) فقالَ: مَا عِنْدي إِلاَّ إِزَارِي هَذَا. فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: (إِزَارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلاَ إِزَارَ لَك) َ."

فَالْتَمِسْ شَيْئًا. قال: ما أَجِدُ. قال: (الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَديدٍ) . فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: (هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ) ؟ قالَ: نَعَمْ. فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ (زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) .

في الحديثِ دليلٌ علَى عَرْضِ المرأةِ نفسَها على مَنْ تُرْجَى بَركتُه.

وقولُها:"وَهَبْتُ نَفْسِيَ لَكَ". معَ سُكوتِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ دليلٌ لجوازِ هِبةِ المرأةِ نِكَاحَها له صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ كما جاءَ في الآيةِ. فإذا تزوَّجَها على ذلكَ صحَّ النِّكاحُ مِن غيرِ صَدَاقٍ، لا في الحالِ ولا في المآلِ، ولا بالدُّخولِ ولا بالوفاةِ. وهذا هو مَوْضِعُ الخصوصيةِ، فإنَّ غَيْرَه ليسَ كذلك، فلابُدَّ مِن المهرِِ في النِّكاحِ، إمَّا مُسمًّى أو مَهْرُ المِثْلِ.

واسْتَدَلَّ به مَن أَجَازَ مِن الشافعيةِ انعقادَ نِكاحِه صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ بلفظِ"الْهِبَةِ"، ومنهمْ مَن منعَهُ إلا بلفظِ"الإِنْكَاحِ"أو"التَّزويجِ"كغيرِه.

وقولُه صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ"هلْ عندَكَ مِن شيءٍ تُصْدِقُها؟ فيه دليلٌ على طَلَبِ الصَّدَاقِ في النكاحِ وتسْميتِهِ فيهِ."

وقولُه صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ:"إزارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَها جَلَسْتَ وَلاَ إِزارَ لَكَ"، دليلٌ على الإرْشادِ إلى المصالحِ مِن كبيرِ القومِ، والرِّفقِ برعَّيتِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت