وَقَدْ يُستدلُّ بصيغةِ الأمرِ فِي قولهِ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( فليذبَحْ أُخرَى ) )إحدَى طائفتينِ: إمَّا مَنْ يرَى الأضحيةَ واجبةً، وَإمَّا من يرَى أنهَّا تتعيَّنُ بالشِّراءِ بنيةِ الأضحيةِ، أَوْ بغيرِ ذَلِكَ، من غيرِ اعتبارِ لفظٍ فِي التَّعيينِ، وَإِنَّمَا قلتُ ذَلِكَ لأنَّ اللفظَ المُعيَّنَ للأضحيةِ من صيغةِ النَّذرِ أَوْ غيرِهَا قليلٌ نادرٌ، وصيغةُ (( مَنْ ) )فِي قولِه: (( مَنْ ذَبَحَ ) )صيغَةُ عمومٍ واستغراقٍ فِي حقِّ كلِّ مَن ذبحَ قبلَ أن يُصلِّيَ، فَقَدْ ذُكرتْ لتأسيسِ قاعدةٍ وتمهيدِ أصلٍ، وتنزيلُ صيغِ العمومِ التي تَردُ لتأسيسِ القواعدِ عَلَى الصُّورةِ النادرةِ أمرٌ مستكرهٌ، عَلَى مَا قُرِّرَ من قواعدِ التأويلِ فِي أصولِ الفقهِ، فَإِذَا تقرَّرَ هَذَا - وَهُوَ استبعادُ حملهِ عَلَى الأضحيةِ المعيَّنةِ بالنَّذرِ أَوْ غيرِه مِنَ الألفاظِ - يبقَى التَّردُّدُ فِي أنَّ الأَولَى حملُه عَلَى من سبقَ لَهُ أضحيةٌ معيَّنةٌ بغيرِ اللفظِ، أَوْ حملُه عَلَى ابتداءِ الأضحيةِ مِن غيرِ سبقِ تعيينٍ.
146 -الحديثُ الرَّابعُ: عن جابرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ العِيدِ، فبدَأَ بالصَّلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، بِلاَ أَذَانٍ وَلاَ إقَامَةٍ، ثُمَّ قامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلاَلٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حتى أتىَ النِّساءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: (( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فإِنَّكُنَّ أكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ ) )فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الخدَّيْنِ، فقالتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: (( لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكاةَ، وتَكْفُرْنَ العشِيرَ ) )، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْن مِنْ حُلِيِّهنَّ، يُلقْيِنَ فِي ثوبِ بِلاَلٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ )) .
أَمَّا البداءةُ بالصَّلاةِ قبلَ الخطبةِ، فَقَدْ ذكرناهُ، وَأَمَّا عدمُ الأذانِ والإِقامةِ لصلاةِ العيدِ، فمتَّفقٌ عَلَيْهِ، وكأنَّ سببَهُ تخصيصُ الفرائضِ بالأذانِ تمييزًا لَهَا بِذَلِكَ عنِ النَّوافلِ، وإظهارًا لشرفِها، وأشارَ بعضُهم إِلَى معنًى آخرَ، وَهُوَ أنه لَوْ دَعَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهَا لوجبتِ الإِجابةُ، وَذَلِكَ منافٍ لعدمِ وجوبِهَا، وَهَذَا حسنٌ بالنسبةِ إِلَى من يَرى أنَّ صلاةَ الجماعةِ فرضٌ عَلَى الأعيانِ.
وَهَذِهِ المقاصدُ التي ذكرَها الرَّاوي - منَ الأمرِ بتقوَى اللهِ، والحثِّ عَلَى طاعتهِ والموعظةِ والتَّذكيرِ - هيَ مقاصدُ الخطبةِ، وَقَدْ عدَّ بعضُ الفقهاءِ من أركانِ الخطبةِ الواجبةِ الأمرَ بتقوَى اللهِ، وبعضُهم جعلَ الواجِبَ مَا يُسمَّى خُطبةً عندَ العربِ، وَمَا يتأدَّى بِهِ الواجبُ فِي الخُطبةِ الواجبَةِ تتأدَّى بِهِ السُّنَّةُ فِي الخُطبَةِ المسنونةِ.
وقولُهُ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( تصدَّقنَ، فإنَّكنَّ حطبُ جَهَنَّمَ ) )، فيه إشارةٌ إِلَى أنَّ الصَّدقةَ من الدَّوافعِ للعذابِ، وفيه إشارةٌ إِلَى الإِغلاظِ فِي النُّصحِ بِمَا لعلَّهُ يبعثُ عَلَى إزالةِ العيبِ، أَو الذنبِ اللَّذينِ يتَّصفُ بهمَا الإِنسانُ.
وفيه أَيْضًا العنايةُ بذكرِ مَا تشتدُّ الحاجةُ إِلَيْهِ مِن المخاطَبينَ، وفيه بذلُ النَّصيحةِ لمن يَحتاجُ إليهَا.
وقولهُ: (( فقامتِ امرأةٌ مِن سِطَةِ النِّساءِ ) )فيه لهم وجهانِ:
أحدُهما: مَا ذهبَ إِلَيْهِ بعضُ الفضلاءِ الأدباءِ مِن الأندلسيِّينَ إنه تغييرٌ، أي تصحيفٌ مِن الرَّاوِي، كأنَّ الأصلَ: من سَفَلةِ النِّساءِ، فاختلطتِ الفاءِ باللاَّمِ، فصارتْ طاءً، ويؤيِّدُ هَذَا أنهُ وردَ فِي كتابِ ابن أبي شيبةَ والنسائيِّ: (( مِنْ سفلةِ النِّساءِ ) )، وَفِي روايةٍ أُخرَى: (( فقامتِ امرأةٌ من غيرِ عِلْيَةِ النِّساءِ ) ).