فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 381

التفضيلَ مكروهٌ لاَ غيرُ، وربَّما اسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بالروايةِ التي قيلَ فِيهَا: (( أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غيري ) )، فَإِنَّهَا تقتضي إباحةَ إشهادِ الغيرِ، وَلاَ يُبَاحُ إشهادُ الغيرِ إِلاَّ عَلَى أمرٍ جائزٍ، ويكونُ امتناعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشهادةِ عَلَى وجهِ التَّنَزُّهِ.

وَلَيْسَ هَذَا بالقويِّ عندي؛ لأن الصيغةَ - وإن كَانَ ظاهرُها الإِذنَ - إِلاَّ أَنَّهَا مُشْعِرَةٌ بالتنفيرِ الشديدِ عن ذَلِكَ الفعلِ، حَيْثُ امتنعَ الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المُبَاشَرَةِ لهذه الشهادةِ، مُعَلِّلًا بأنها جَوْرٌ، فتخرجُ الصيغةُ عن ظاهرِ الإِذنِ بهذِهِ القرائنِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلُوا مثلَ هَذَا اللفظِ فِي مقصودِ التنفيرِ.

وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى المنعِ أَيْضًا قولُه: (( اتَّقُوا اللهَ ) )، فَإِنَّهُ يُؤْذِنُ بأن خلافَ التسويةِ لَيْسَ بِتَقْوَى، وأن التسويةَ تَقْوَى.

288 -الحديثُ الثامنُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ ) ).

اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ المعاملةِ، فذهبَ بعضُهم إِلَى جوازِها عَلَى ظاهرِ الحديثِ، وذهبَ كثيرونَ إِلَى المنعِ مِن كِراءِ الأرضِ بجزءٍ مِمَّا يخرجُ مِنْهَا، وَحَمَلَ بعضُهم هَذَا الحديثَ عَلَى أن المُعَامَلَةَ كَانَتْ مُسَاقَاةً عَلَى النخيلِ، والبياضُ المُتَخَلَّلُ بَيْنَ النخيلِ كَانَ يسيرًا، فتقعُ المُزَارَعَةُ تبعًا للمُسَاقَاةِ، وذهبَ غيرُه إِلَى أن صورةَ هَذِهِ صورةُ المعاملةِ، وليستْ لَهَا حقيقتُها، وأن الأرضَ كَانَتْ قَدْ مُلِكَتْ بالاغتنامِ، والقومُ صارُوا عبيدًا فالأموالُ كلُّها للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي جُعِلَ لهم مِنْهَا بعضُ مالِه، ليَنْتَفِعُوا بِهِ، لاَ عَلَى أَنَّهُ حقيقةُ المُعَامَلَةِ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إثباتِ أن أهلَ

خيبرَ اسْتُرِقُّوا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بمجرَّدِ الاستيلاءِ يحصلُ الاسترقاقُ للبالغينَ.

289 -الحديثُ التاسعُ: عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قَالَ: (( كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، وَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّما أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا بِالْوَرِقِ، فَلَمْ يَنْهَنَا ) ).

290 -وَلِمُسلمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بنِ قَيْسٍ، قَالَ: (( سَأَلْتُ رَافِعَ بِنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجداولِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَلَمْ يَكُن للنَّاسِ كِرَاءٌ إِلاَّ هَذَا، وَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ ) ).

(( المَاذِياناتُ ) )الأَنْهَارُ الكبَارُ، (( وَالْجَدْوَلُ ) )النَّهَرُ الصَّغِيرُ.

فِيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ كِراءِ الأرضِ بالذهبِ والوَرِقِ، وَقَدْ جاءتْ أحاديثُ مطلقةٌ فِي النهيِ عن كِرَائِها، وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الإِطلاقِ.

وَفِيهِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أن تكونَ الأجرةُ شَيْئًا غيرَ مَعْلُومِ المِقْدَارِ عندَ العقدِ؛ لِمَا فِيهِ من الإِجارةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الحديثِ، مِن مَنْعِ الكراءِ بِمَا عَلَى الماذِيَانَاتِ - إِلَى آخرِه، فَإِنَّهُ قَدْ دلَّ عَلَى أن الجهالةَ لم تُغْتَفَرْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت