فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 381

الثالثةُ: إذا لمْ يجدْ نعلينِ لَبِسَ خُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ من أسفلِِ الكعبيْنِ, وعندَ الحنبليَّةِ لا يَقْطَعُهما, وهذا الحديثُ يدلُّ علَى خلافِ ما قالوه؛ فإنَّ الأمرَ بالقطعِ ههنا معَ إتلافهِ الماليَّةَ يَدلُّ على خلافِ ما قالوهُ.

الرابعةُ: اللُّبسُ ههنا عندَ الفقهاءِ محمولٌ على اللبسِ المعتادِ فِي كلِّ شيءٍ مِمَّا ذُكرِ, فلو ارْتَدَى بالقميصِ لم يُمْنَعْ منهُ؛ لأنَّ اللبسَ المعتادَ فِي القميصِ غيرُ الارتداءِ, واختلفُوا فِي القَبَاءِ إذا لُبِسَ من غيرِ إدخالِ اليدينِ فِي الكُمَّينِ. ومنْ أوجبَ الفديةَ: جعلَ ذلكَ من المعتادِ فيهِ أحيانًا, واكتفَى فِي التحريمِ فيهِ بذلكَ.

الخامسةُ: لفظُ (( المُحْرِمِ ) )يتناولُ من أحرَم بالحجِّ والعمرةِ معًا. و (( الإحرامُ ) )الدخولُ فِي أحدِ النُّسكيْنِ، والتَّشاغُلُ بأعمالهِمَا. وقدْ كانَ شيخُنا العلامةُ أبو محمّدٍ ابنُ عبدِ السَّلامِ يَسْتَشْكِلُ معرفةَ حقيقةِ (( الإحرامِ ) )جدًّا. ويَبْحَثُ فيهِ كثيرًا, وإذا قيلَ لهُ: إنه النِّيةُ اعْتُرِضَ عليه بأنَّ النيةَ شرطٌ فِي الحجِِّ الذي الإحرامُ ركنُهُ، وشرطُ الشَّيءِ غيرُه. ويُعْتَرَضُ على أنهُ (( التَّلبيةُ ) )بأنَّهَا ليستْ بركنٍ. والإحرامُ ركنٌ. هذَا أو ما قرُبَ منهُ. وكانَ يحرمُ على تعيينِ فعلٍ تتعلَّقُ بهِ النيَّةُ فِي الابتداءِ.

السادسةُ: المنعُ منَ (( الزَّعفرانِ والوَرْسِ ) ), وهو نَبْتٌ يكونُ باليمنِ يُصْبَغُ بهِ: دليلٌ علَى المنعِ من أنواعِ الطِّيبِ, وعدَّاهُ القائسونَ إِلَى ما يساويهِ فِي المعنى من المطيِّباتِ. وما اختلفُوا فيهِ فاختلافُهم بِناءً على أنهُ من الطِّيبِ أم لاَ؟.

السابعةُ: نهيُ المرأةِ عن التَّنَقُّبِ والقفازَينِ يدلُّ على أنَّ حكمَ إحرامِ المرأةِ يتعلَّقُ بوجهِهَا وكفَّيها, والسِّرُّ فِي ذلكَ وَفِي تحريمِ المَخيطِ وغيرِه مِمَّا ذُكرَ - والله أعلمُ - مخالفةُ العادةِ، والخروجُ عن المألوفِ لإشعارِِ النفسِ بأمرينِ:

أحدُهما: الخروجُ عن الدنيَا، والتذكُّرُ للُبْسِ الأكفانِ عندَ نزعِ المخيطِ.

والثانِي: تنبيهُ النفسِ على التلبُّسِ بهذهِ العبادةِ العظيمةِ بالخروجِ عنْ مُعْتَادِها وذلكَ مُوجِبٌ للإقبالِ عليهَا, والمحافظةِ على قوانينِها وأركانِها، وشروطِها وآدابِها، واللهُ أعلمُ.

216 -الحديثُ الثَّانِي: عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: (( مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَس السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ ) ).

فيه مسألتانِ:

إحداهُما: قد يَستدِلُّ به من لا يَشْتَرِطُ القطعَ فِي الخفَّينِ عندَ عدمِ النَّعلينِ. فإنهُ مطلقٌ بالنِّسبةِ إِلَى القطعِ وعدمِهِ. وحملُ المطلقِ ههنا علَى المقيَّدِ جيِّدٌ؛ لأنَّ الحديثَ الذي قُيِّدَ فيهِ القطعُ قد وردتْ فيه صيغةُ الأمرِ. وذلكَ زائدٌ على الصيغةِ المطلقَةِ. فإن لمْ نعملْ بهَا، وأجزْنَا مطلقَ الخُفَّين. تركْنَا ما دلَّ عليهِ الأمرُ بالقطعِ , وذلكَ غيرُ سائغٍ. وهذَا بخلافِ ما لو كانَ المطلَقُ والمقيَّدُ فِي جانبِ الإباحةِ. فإنَّ إباحةَ المطلقِ حينئذٍ تقتضِي زيادةً على ما دلَّ عليهِ إباحةُ المقيَّدِ. فإنْ أخَذَ بالزائدِ كانَ أَوْلَى. إذْ لا معارضةَ بينَ إباحةِ المقيَّدِ وإباحةِ ما زادَ عليهِ. وكذلكَ نقولُ فِي جانبِ النَّهيِ. لا يُحْمَلُ المطلقُ فيهِ على المقيَّدِ؛ لما ذكرنَا مِن أن المطلقَ دالٌّ على النَّهيِ فيمَا زادَ على صورةِ المقيَّدِ من غيرِ مُعَارِضٍ فيهِ. وهذا يَتوَجَّهُ إذا كانَ الحديثانِ - مثلًا - مختلفَيْنِ باختلافِ مَخرجِهِمَا. أمَّا إذا كانَ المَخرجُ للحديثِ واحدًا، ووقَعَ اختلافٌ على ما انتهتْ إليهِِ الرواياتُ، فههنَا نقولُ: إنَّ الآتيَ بالقيدِ حَفِظَ ما لمْ يَحْفَظْهُ المُطلِقُ من ذلكَ الشَّيخِ. فكأنَّ الشيخَ لمْ يَنْطِقْ به إلا مقيَّدًا. فيتقيَّدُ من هذَا الوجهِ. وهذا الذِي ذكرناهُ فِي الإطلاقِ والتقييدِ مبنيٌّ على ما يقولُه بعضُ المتأخِّرينَ، من أنَّ العامَّ فِي الذَّواتِ مطلقٌ فِي الأحوالِ لا يقتضِي العمومَ. وأمَّا على مثلِ ما نختارُهُ فِي مثلِ هذَا من العمومِ فِي الأحوالِ؛ تبعًا للعمومِ فِي الذَّوَاتِ, فهو من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت