وَقَولُهُ: (( رَأيْتُكَ تُصَلِّي إلى غَيرِ القِبلَةِ. فَقَالَ: لَولا أنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ مَا فَعَلْتُهُ ) )إِنَّمَا يَعُودُ إِلى الصَّلاةِ إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ فَقَطْ. وَهُوَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ، لا إِلى غَيرِ ذَلِكَ مِن هَيْئَتِهِ. واللهُ أعلمُ.
وَرَاوِي هَذَا الحَديثِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَبُو حَمْزَةَ أَنَسُ بنُ سِيرينَ، أَخُو مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ، مَوْلَى أَنَسِ بنِ مَالكٍ. وَيُقَالُ: إنَّهُ لَمَّا وُلِدَ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ. فَسَمَّاهُ أنسًا، وَكَنَّاهُ بِأبِي حَمْزَةَ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِحَدِيثهِ. مَاتَ بَعْدَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ. وَكَانَتْ وَفَاةُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائةٍ.
71 -الحديثُ الأوَّلُ: عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنَ تَمَامِ الصَّلاَةِ ) ).
تَسويةُ الصُّفوفِ: اعتدالُ القائمينَ بهَا علَى سَمْتٍ واحدٍ. وقدْ تدلُّ تسويتُهَا أيضًا على سَدِّ الفُرَجِ فيهَا، بِنَاءً علىَ التَّسويةِ المعنويَّةِ. والاتِّفَاقُ على أنَّ تسويتَهَا بالمعنَى الأَوَّلِ والثاني أمرٌ مطلوبٌ. وإن كانَ الأظهرُ: أنَّ المرادَ بالحديثِ الأولُ.
وقولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( من تمامِ الصَّلاةِ ) )يدلُّ على أنَّ ذلكَ مطلوبٌ. وقد يُؤخذُ منهُ أيضًا: أنهُ مستحبٌّ، غيرُ واجبٍ؛ لقولِهِ: (( مِن تَمَامِ الصَّلاةِ ) )ولم يقلُ: إنَّهُ منْ أركانِهَا، ولا واجباتهَا. وتمامُ الشَّيءِ: أمرٌ زَائِدٌ على وجودِ حقيقتهِ التي لا يَتحقَّقُ إلا بهَا في مشهورِ الاصطلاحِ. وقد ينطلقُ بحسبِ الوضعِ على بعضِ ما لا تتمُّ الحقيقةُ إلا بهِ.
72 -الحديثُ الثَّانِي: عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضيَ اللهُ عنهمَا، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بينَ وُجُوهِكُمْ ) ).
73 -ولِمُسْلِمٍ كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حتى كأنَّمَا يُسوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حتى إذا رَأى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حتى إذا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فرَأى رَجلًا باديًا صدْرُهُ، فقالَ: عِبَادَ اللهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ )) .
(( النُّعمانُ بن بَشِيرٍ ) )- بفتحِ البَاءِ وكسرِ الشِّينِ المعجمةِ - ابن سعدِ بنِ ثَعْلَبَةَ الأنصاريُّ. وُلِدَ قبلَ وفاةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثمانِ - أو ستِّ سنواتٍ. قالَ أبو عمرَ. والأوَّلُ أصحُّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. قُتِلَ سنةَ أربعٍ وستِّينَ بِمَرْجِ راهطٍ.
تسويةُ الصُّفوفِ: قد تقدَّمَ الكلامُ عليهَا. وقولُهُ: (( أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بينَ وُجوهِكُم ) )معناهُ: إنْ لمْ تُسَوُّوا. لأنهُ قابَلَ بينَ التَّسويةِ وبينَهُ، أي الواقعُ أحدُ الأمرينِ: إمَّا التَّسويةُ، أو الْمُخَالَفَةُ.
وكانَ يظهرُ لِي في قولهِ: (( أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكُم ) )أنَّهُ رَاجِعٌ إلى اختلافِ القلوبِ، وَتَغَيُّرِ بعضِهم على بعضٍ فإنَّ تقدُّمَ إنسانٍ على الشَّخصِ، أو على الجماعةِ وتَخْلِيفِهِ إيَّاهُم، مِن غيرِ أنْ يكونَ مُقامًا لِلْإِمَامَةِ بهمْ: قدْ يُوغرُ صدُورَهمْ. وهوَ مُوجِبٌ لاختلافِ قلوبِهم. فعبَّرَ عنهُ بمخالفةِ وجوهِهِمْ. لأنَّ المُخْتَلفِينَ في التباعُدِ والتقارُبِ يأخذُ كلُّ واحدٍ منهُمَا غيرَ وجهِ الآخرِ. فإنْ شئتَ بعدَ ذلك أنْ تجعلَ (( الوجهَ ) )بمعنى (( الجهةِ ) )وإنْ شئتَ أنْ تَجعلَ (( الوجهَ ) )معبرًّا بهِ عنِ اختلافِ المقاصدِ وتبايُنِ النُّفوسِ. فإنَّ مَنْ تَباعَدَ عن غَيرِه وتَنافَرَ، زَوَى وجهَهُ عنهُ. فيكونُ المقصودُ: التَّحذيرُ منْ وقوعِ التَّباغُضِ والتَّنافُرِ. وقالَ القاضِي