فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 381

يَشتَمِلُ بثوبٍ ويَرَفَعُه مِنْ أحدِ جانبيهِ، فيضَعُه على منكبيهِ، فالنهيُ عنهُ لأنَّهُ يؤدِّي إلىلتَّكشُّفِ وظهورِ العورةِ، قالَ: وهذَا التفسيرُ لا يُشعرُ بهِ لفظُ: (( الصمَّاءِ ) )وقالَ الأصمعيُّ: هو أنْ يشتملَ بالثوبِ فيسترَ بهِ جميعَ جسدهِ، بحيثُ لا يتركُ فُرجةً، يُخرِجُ منهَا يدَهُ، واللفظُ مطابقٌ لهذا المعنَى.

والنهيُ عنهُ: يَحتملُ وجهينِ. أحدُهمَا: أنَّهُ يخافُ معهُ أنْ يدفعَ إِلَى حالةٍ سادَّةٍ لمتنفَّسهِ، فيهلكُ غَمًّا تحتَهُ إذا لمْ تكنْ فيهِ فُرجةٌ. والآخرُ: أنه إذا تخلَّل بهِ فلا يتمكَّنُ من الاحتِراسِ والاحترازِ، وإنْ أصابه شيءٌ، أو نابَهُ مؤذٍ. ولا يُمكنهُ أن يتَّقيَهُ بيديهِ، لإدخالهِ إياهُما تحتَ الثَّوبِ الذِي اشتملَ بهِ، واللهُ أعلمُ.

وقد مرَّ الكلامُ فِي النَّهيِ عنِ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبحِ وبعدَ العصرِ.

وأمَّا الاحتباءُ فِي الثوبِ الواحدِ: فيُخشَى منهُ تكشُفُ العورةِ.

205 -الحديثُ الثامِنُ: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ) ).

قولُه: (( فِي سبيل اللهِ ) )العرفُ الأكثرُ فيهِ: استعمالُهُ فِي الجهادِ، فإذَا حُمِلَ عليهِ: كانت الفضيلةُ لاجتماعِ العبادتينِ - أعني عبادةَ الصَّومِ والجهادَ - ويُحتملُ أن يرادَ بسبيلِ اللهِ: طاعتُه كيفَ كانتْ. ويُعبَّرُ بذلكَ عن صحةِ القَصدِ والنيَّةِ فيهِ, والأوَّلُ: أقربُ إِلَى العرفِ. وقدْ وردَ فِي بعضِ الأحاديثِ: جعلُ الحجِّ أو سفرُه فِي سبيلِ اللهِ. وهو استعمالٌ وضعيٌّ.

(( والخريفُ ) )يعبَّرُ بهِ عن السَّنةِ. فمعنَى (( سبعينَ خريفًا ) )سبعونَ سنةً. وإنَّما عبَّرَ بالخريفِ عنِ السَّنةِ: من جهةِ أنَّ السَّنةَ لا يكونُ فيهَا إلا خريفٌ واحدٌ. فإذا مرَّ الخريفُ فقدْ مضَتِ السَّنةُ كلُّها، وكذلكَ لو عبَّرَ بسائرِ الفُصولِ عنِ العامِ، كان سائغًا بهذَا المَعنَى، إذ ليسَ فِي السَّنةِ إلا ربيعٌ واحدٌ، وصَيفٌ واحدٌ، قال بعضهُم: ولكنَّ الخريفَ أولَى بذلكَ. لأنَّهُ الفصلُ الذِي يحصلُ به نهايةُ ما بدأَ فِي سائرِ الفصولِ. لأنَّ الأزهارَ تبدُو فِي الربيعِ، والثمارُ تتشكَّلُ صُورُهَا فِي الصَّيفِ وفيهِ يبدُو نُضْجُها، ووقتُ الانتفاعِ بها أكلًا وتحصيلًا وادِّخارًا فِي الخريفِ. وهو المقصودُ منهَا، فكانَ فَصلُ الخريفِ أولَى بأن يعبِّرَ بهِ عنِ السَّنةِ من غيرِه، واللهُ أعلمُ.

206 -الحديثُ الأوَّلُ: عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رضيَ اللهُ عنهمَا، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَرَى رُؤْياكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ ) ).

فيهِ دليلٌ علَى عِظَمِ الرُّؤيَا، والاستنادُ إِليهَا فِي الاستدلالِ على الأمورِ الوجُودِيَّاتِ، وعلى ما لا يخالفُ القواعدَ الكلِّيَّةَ مِن غيرِها. وقد تكلَّمَ الفقهاءُ فيمَا لو رأى النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنامِ، وأمَرهُ بأمرٍ: هلْ يلزمُه ذلكَ؟ وقيلَ فيهِ: إنَّ ذلكَ إمَّا أنْ يكونَ مخالفًا لما ثبتَ عنهُ - منَ الأحكامِ فِي اليقظةِ أوَّلًا. فإِنْ كانَ مخالفًا عُملَ بمَا ثبتَ فِي اليقظةِ، لأنَّا - وإنْ قلنَا: بأنَّ من رأَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَى الوجهِ المنقولِ منْ صفتهِ، فرؤياهُ حقٌّ - فهذَا من قبيلِ تعارضِ الدَّليلينِ والعملِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت