فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 381

254 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ، فَكلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جميعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ ) ).

وَمَا فِي معناهُ مِن حديثِ حكيمِ بنِ حِزامٍ، وَهُوَ:

255 -الحديثُ الثَّانِي: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) ).

الحديثُ يَتَعَلَّقُ بمسألةِ إثباتِ خيارِ المَجْلِسِ فِي البيعِ، وَهُوَ يدلُّ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافعيُّ وفقهاءُ أصحابِ الحديثِ، ونفاهُ مَالكٌ وَأَبُو حنيفةَ، ووافقَ ابنُ حبيبٍ - من أصحابِ مَالكٍ - مَن أَثْبَتَهُ، والذينَ نفَوه اختلفُوا فِي وجهِ العذرِ عَنْهُ، وَالَّذِي يحضُرُنا الآنَ من ذَلِكَ وجوهٌ:

أحدُها: أَنَّهُ حديثٌ خَالَفَه راويه، وكلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لم يُعْمَلْ به.

أَمَّا الأَوَّلُ، فلأن مالكًا رواه، ولم يقلْ به، وَأَمَّا الثَّانِي، فلأن الراويَ إِذَا خَالَفَ، فَإِمَّا أن يكونَ مَعَ عِلْمِه بالصحَّةِ، فيكونُ فاسقًا، فَلاَ تُقْبَلُ روايتُه، وَإِمَّا أنْ يكونَ لاَ مَعَ عِلْمِهِ بالصحَّةِ، فَهُوَ أعلمُ بِعَلَلِ مَا روَى، فَيُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ.

وَأُجِيبَ عن ذَلِكَ بوجهينِ، أحدُهما: مَنْعُ المقدِّمَةِ الثانيةِ، وَهُوَ أَنَّ الراويَ إِذَا خالَفَ، لم يُعْمَلْ بروايتِه، وقولُه: (( إِذَا كَانَ مَعَ علمِه بالصحَّةِ، كَانَ فاسقًا ) ). ممنوعٌ؛ لجوازِ أن يَعْلَمَ بالصحَّةِ، ويُخَالِفَ لمعارِضٍ راجحٍ عندَه، وَلاَ يلزمُ تقليدُه فِيهِ. وقولُه: (( إن كَانَ لاَ مَعَ علمِه بالصحَّةِ، وَهُوَ أعلمُ بروايتِه، فَيُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ ) ). مَمنُوعٌ أَيْضًا؛ لأَنَّهُ إِذَا ثبتَ الحديثُ بعدالةِ النَّقَلَةِ، وجبَ العملُ بِهِ ظاهرًا، فَلاَ يُتْرَكُ بِمُجَرَّدِ الوَهْمِ والاحتمالِ.

الوجهُ الثَّانِي: أن هَذَا الحديثَ مرويٌّ مِن طُرُقٍ، فإنْ تَعَذَّرَ الاستدلالُ بِهِ من جهةِ روايةِ مَالكٍ، لم يَتَعَذَّرَ مِن جهةٍ أخرى، وإنما يكونُ ذَلِكَ عندَ التفرُّدِ عَلَى تقديرِ صحَّةِ هَذَا المأْخَذِ - أعني: أنَّ مُخَالَفَةَ الراوي لروايتِه تَقْدَحُ فِي العملِ بِهَا - فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التقديرِ يُتَوَقَّفُ العملُ بروايةِ مَالكٍ، وَلاَ يلزمُ مِن بطلانِ مَأْخَذٍ مُعَيَّنٍ بطلانُ مَأْخَذِ الحكمِ فِي نفسِ الأمرِ.

الوجهُ الثَّانِي مِن الاعتذاراتِ أنَّ هَذَا خبرُ واحدٍ فيما تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وخبرُ الواحدِ فيما تعمُّ بِهِ الْبَلْوَى غيرُ مَقْبُولٍ، فَهَذَا غيرُ مَقْبُولٍ، أَمَّا الأَوَّلُ فلأن البياعاتِ مِمَّا تَتَكَرَّرُ مَرَّاتٍ لاَ تُحْصَى، ومثلُ هَذَا تَعُمُّ الْبَلْوَى بِمَعْرِفَةِ حُكْمِه، وَأَمَّا الثَّانِي، فلأنَّ العادةَ تَقْتَضِي أنَّ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى يكونُ مَعْلُومًا عندَ الكافَّةِ، فانفرادُ الواحدِ بِهِ عَلَى خلافِ العادةِ، فَيُرَدُّ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بِمَنعِ المُقَدِّمَتَيْنِ معًا، أَمَّا الأُوْلَى - وَهُوَ أن البيعَ بِمَا تعمُّ بِهِ الْبَلْوَى - فالبيعُ كَذَلِكَ، ولكنَّ الحديثَ دلَّ عَلَى إثباتِ خيارِ الفَسْخِ، وَلَيْسَ الفَسْخُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي البياعاتِ، فإن الظاهرَ مِن الإِقدامِ عَلَى البيعِ الرغبةُ مِن كلِّ واحدٍ مِن المُتَعَاقِدَينَ فيما صارَ إليه، فَالْحَاجةُ إِلَى مَعرفةِ حُكمِ الفسخِ لاَ تكُونُ عامَّةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت