279 -الحديثُ الرابعُ: عن أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: (( سَأَلْتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بنَ أَرْقَمَ، عن الصَّرْفِ؟ فَكلُّ وَاحدٍ يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي، وَكِلاَهُمَا يَقُولُ: (( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ) ).
فِي الحديثِ دليلٌ عَلَى التواضعِ، والاعْتِرَاِف بحقوقِ الأكابرِ، وَهُوَ نصٌّ فِي تحريمِ رِبا النَّسيئةِ فِيما ذُكِرَ فِيْهِ - وَهُوَ الذهبُ بالوَرِقِ - لاجتماعِهما فِي عِلَّةٍ واحدةٍ، وَهِيَ النقديةُ، وَكَذَلِكَ الأجناسُ الأربعةُ - أعني: البُرَّ وَمَا ذُكِرَ مَعَه - باجتماعِها فِي عِلَّةٍ واحدةٍ أخرى، فَلاَ يُبَاعُ بعضُها ببعضٍ نسيئةً، والواجبُ فيما يُمْنَعُ فِيْهِ النَّساءُ أمرانِ: أحدُهما: التَّنَاجُزُ فِي البيعِ، أعني ألا يكونَ مُؤَجَّلًا. وَالثَّانِي: التقابُضُ فِي المجلسِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ من قولِه: (( يَدًا بِيدٍ ) ).
280 -الحديثُ الخامسُ: عن أَبِي بَكْرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ ) ).
قولُه: (( نَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا ) ). يعني: بالنسبةِ إِلى التفاضُلِ والتساوي، لاَ بالنسبةِ إِلَى الحُلولِ والتأجيلِ، وَقَدْ ورَدَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي حديثٍ آخرَ، حَيْثُ قيلَ: (( فَإِذَا اخْتَلَفَت الأجناسُ، فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يدًا بيدٍ ) ).
281 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ ) ).
اللفظةُ مأخوذةٌ من الحبسِ والإِقامةِ، رَهَن بالمكانِ، إِذَا أقامَ بِهِ.
والحديثُ دليلٌ عَلَى جوازِ الرهنِ، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الكتابُ العزيزُ، ودليلٌ عَلَى جوازِ معاملةِ الكفَّارِ، وعدمِ اعتبارِ الفسادِ فِي معاملاتِهم، ووقعَ فِي غيرِ هَذِهِ الروايةِ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جوازِ الرهنِ فِي الحضرِ.
وَفِيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الشراءِ بالثمنِ المُؤَخَّرِ قبلَ قَبْضِه؛ لأنَ الرهنَ إنما يُحتاجُ إليه حَيْثُ لاَ يتأَتَّى الإِقباضُ فِي الحالِ غالبًا، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جوازِ الشراءِ لِمَن لاَ يَقْدِرُ عَلَى الثمنِ فِي وقتِه لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
282 -الحديثُ الثَّانِي: عن أَبِي هُريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ) ).
فِيهِ دليلٌ عَلَى تحريمِ المطْلِ بالحقِّ، وَلاَ خلافَ فِيهِ، مَعَ القُدْرَةِ بعدَ الطلبِ، واخْتَلَفُوا فِي مذهبِ الشَّافعيِّ هَلْ يجبُ الأداءُ مَعَ القدرةِ مِن غيرِ طلبِ صاحبِ الحقِّ؟ وذُكِرَ فِيهِ وجهانِ، وَلاَ ينبغي أن يُؤْخَذَ الوجوبُ من الحديثِ؛ لأنَّ لفظةَ (( المَطْلِ ) )تُشْعِرُ بتقديمِ الطلبِ، فيكونُ مأخذُ الوجوبِ دليلًا آخرَ.
وقولُه: (( الغني ) )يُخْرِجُ العاجزَ عن الأداءِ.