وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَا تَوَحَّشَ من الْمُسْتَأْنَسِ: يكونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوحشِ، كمَا أنَّ مَا تَأَنَّسَ من الوحشِ: يكونُ حكمُهُ حُكْمَ الْمُسْتَأْنَسِ.
وهذا الْقِسْمُ ومقابلةُ كلِّ عشَرةٍ من الغنمِ ببعيرٍ: قد يُحْمَلُ على أنَّه قَسْمَةُ تعديلٍ بالقيمةِ، وليسَ من طريقِ التَّعديلِ الشَّرعيِّ، كمَا جاءَ في الْبُدْنَةِ"أنَّها عن سَبْعَةٍ"ومن النَّاسِ مَن حَمَلَهُ على ذلكَ.
و"نَدَّ"بمعنَى شَرَدَ. و"الْأَوَابِدُ"جمعُ آبِدَةٍ. وقد تَأَبَّدَتْ: أيْ نَفَرَتْ وَتَوَحَّشَتْ من الإنسِ. يُقَالُ: أَبَدَتْ -بفتحِ الباءِ المخفَّفةِ- تَأْبِدُ -بكسرِهَا وضمِّهَا- أيضًا، أُبُودًا. وجاءَ فلانٌ بآبِدَةَ، أيْ كلمةٍ غريبةٍ، أو خَصْلَةٌ للنُّفوسِ نَفْرَةٌ عنهَا. والكلمةُ لازمةٌ، إلَّا أنْ تَجْعَلَ فاعلَةً، بمعنَى مفعولةٍ.
ومعنَى الحديثِ: أنَّ من البهائمِ مَا فيهِ نِفَارٌ كِنِفَارِ الوحشِ. وفيهِ دليلٌ على جوازِ الذَّبحِ بمَا يَحْصُلُ بهِ المقصودُ من غيرِ تَوَقُّفٍ على كونِهِ حديدًا، بعدَ أن يكونَ مُحَدَّدًا.
وقولُهُ"وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ"دليلٌ على اشتراطِ التَّسميةِ أيضًا. فإنَّه عَلَّقَ الإذنَ بمجموعِ أمريْنِ. والْمُعَلَّقُ على شيئيْنِ يَنْتَفِي بانْتِفَاءِ أحدِهِما. وفيهِ دليلٌ على منعِ الذَّبحِ بالسِّنِّ والظُّفْرِ. وهوَ محمولٌ على الْمُتَّصِلِينَ. وقد ذُكِرَت الْعِلَّةُ فيهِمَا في الحديثِ.
واسْتَدَلَّ بهِ قومٌ على مَنْعِ الذَّبحِ بالْعَظْمِ مُطْلَقًا. لقولِهِ عليهِ السَّلامُ"أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ"عَلَّلَ منعَ الذَّبحِ بالسِّنِّ بأنَّه عَظْمٌ. والْحُكْمُ يَعُمُّ بعمومِ عِلَّتِهِ.
394 -الحديثُ الأوَّلُ: عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: ضَحَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ بكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. ذبحَهُمَا بيدِهِ، وسَمَّى وكَبَّرَ، ووضعَ رِجْلَهُ على صِفَاحِهِمَا.
"الْأَمْلَحُ"الْأَغْبَرُ، وهوَ الَّذي فيهِ سوادٌ وبياضٌ.
لا خلافَ أنَّ الْأُضْحِيَةَ من شعائرِ الدِّينِ، والمالكيَّةُ يُقَدِّمُونَ فيها الْغَنَمَ على الإبلِ، بخلافِ الهدايَا. فإنَّ الإبلَ فيها مُقَدَّمَةٌ. والشَّافعيُّ يقدِّمُ الإبلَ فيهمَا. وقد يَسْتَدِلُّ المالكيَّةُ باختيارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ في الأضاحِي لِلْغَنَمِ، وباختيارِ اللهِ تعالَى في فداءِ الذَّبيحِ. و"الْأَمْلَحُ"الأبيضُ. والْمُلحْةُ البياضُ.
وقد اختارَ الفقهاءُ هذا اللَّونَ للأضحيَةِ.
وفيهِ تعْدَادُ الأضحيةِ. وكذلكَ الْقَرْنُ من المحبوباتِ فيهَا.
وفيهِ دليلٌ على استحبابِ تَوَلِّي الْأُضْحِيَةِ للمضحِّي بنفسِهِ، إذا قَدَرَ على ذلكَ.
وفيهِ دليلٌ على التَّكبيرِ عِنْدَ الذَّبحِ.