فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 381

(( فَإِذَا أُتْبِعَ ) )مضمومُ الهمزةِ، ساكنُ التاءِ، مكسورُ الباءِ. وقولُه: (( فَلْيَتْبَعْ ) )مفتوحُ الياءِ، ساكنُ التاءِ، مفتوحُ الباءِ الموحَّدَةِ، مأخوذٌ مِن قولِنا: أَتْبَعْتُ فلانًا، جَعَلْتُه تابعًا للغيرِ، والمرادُ ههنا تَبَعِيَّتُه فِي طلبِ الحقِّ بالحَوَالَةِ. وَقَدْ قَالَ الظاهريةُ بوجوبِ قُبُولِ الحَوَالةِ عَلَى المليءِ، لظاهرِ الأمرِ، وجمهورُ الفقهاءِ عَلَى أَنَّهُ أمرُ ندبٍ؛ لما فِيْهِ من الإِحسانِ إِلَى المُحِيلِ بتحصيلِ مقصودِه، مِن تحويلِ الحقِّ عَنْهُ، وَتَرْكِ تكليفِه التحصيلَ بالطلبِ.

وَفِي الحديثِ إشعارٌ بأنَّ الأمرَ بقبولِ الحَوالةِ عَلَى المليءِِ مُعَلَّلٌ بكونِ مَطْلِ الغنيِّ ظلمًا، ولعلَّ السببَ فِيْهِ أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ كونُه ظلمًا - والظاهرُ مِن حالِ المسلمِ الاحترازُ عَنْهُ - فيكونُ ذَلِكَ سببًا للأمرِ بقبولِ الحَوَالَةِ عَلَيْهِ، لِحُصُولِ المقصودِ من غيرِ ضررِ المَطْلِ، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ ذَلِكَ؛ لأن الْمَلِيءَ لاَ يَتَعَذَّرُ استيفاءُ الحقِّ مِنْهُ عندَ الامتناعِ، بل يَأْخُذُهُ الحاكمُ قهرًا ويُوَفِّيه، فَفِي قَبُولِ الحَوالةِ عَلَيْهِ تحصيلُ الغرضِ من غيرِ مَفْسَدَةِ تَواءِ الحقِّ، والمعنى الأَوَّلُ أرجحُ؛ لما فِيهِ من بقاءِ معنى التعليلِ بكونِ المَطْلِ ظلمًا، وَعَلَى هَذَا المعنى الثَّانِي تكونُ العلَّةُ عَدَمَ تَوَاءِ الحقِّ لاَ الظلمَ.

283 -الحديثُ الثالثُ: عن أَبِي هُريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (( مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ) ).

فِيْهِ مسائلُ:

الأُوْلَى: رجوعُ البائعِ إِلَى عينِ مالِه عندَ تَعَذُّرِ الثمنِ بالفَلَسِ، أَوْ الموتِ، فِيهِ ثلاثةُ مذاهبَ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ يرجعُ إليه فِي الموتِ والفَلَسِ، وَهَذَا مذهبُ الشَّافعيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يرجعُ إليه، لاَ فِي الموتِ وَلاَ فِي الفَلَسِ، وَهُوَ مذهبُ أَبِي حنيفةَ. والثالثُ: يرجعُ إليه فِي الفَلَسِ دونَ الموتِ، ويكونُ فِي الموتِ أسوةَ الغرماءِ، وَهُوَ مذهبُ مَالكٍ.

وَهَذَا الحديثُ دليلٌ عَلَى الرجوعِ فِي الفَلَسِ، ودلالتُه قويَّةٌ جدًّا، حَتَّى قيلَ: إِنَّهُ لاَ تأويلَ لَهُ، وَقَالَ الإِصْطَخْرِيُّ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ: لَوْ قَضَى القاضي بخلافِه نُقِضَ حكمُه.

ورأَيْتُ فِي تأويلِه وجهينِ ضعيفينِ: أحدُهما: أن يُحْمَلَ عَلَى الغصبِ والوديعةِ؛ لما فِيهِ من اعتبارِ حقيقةِ الماليةِ، وَهُوَ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنه يُبْطِلُ فائدةَ تعليلِ الحكمِ بالفلسِ. الثَّانِي: أن يُحْمَلَ عَلَى مَا قبلَ القبضِ، وَقَدْ اسْتُضْعِفَ بقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَدْرَكَ مالَه، أَوْ وَجَدَ مَتَاعَهُ ) )، فإن ذَلِكَ يقتضي إمكانَ العقدِ، وَذَلِكَ بعدَ خروجِ السلعَةِ مِن يدِه.

المسألةُ الثانيةُ: الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الفهمِ من الحديثِ أن الرجلَ المُدْرَكَ ههنا هُوَ البائعُ، وأن الحكمَ يتناولُ البيعَ، لكن اللفظُ أعمُّ من أن يُحْمَلَ عَلَى البائعِ، فيُمْكِنُ أن يَدْخُلَ تحتَه مَا إِذَا أَقْرَضَ رجلٌ مالًا، وأفلَسَ المُسْتَقْرَضُ والمالُ باقٍ، فإن المُقْرِضَ يرجعُ فِيهِ، وَقَدْ علَّلَه الفقهاءُ بالقياسِ عَلَى المبيعِ، بعدَ التفريعِ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ بالقبضِ، وقيلَ فِي القياسِ: مَمْلُوكٌ ببدلٍ تَعذَّرَ تحصيلُه، فأشبهَ المبيعَ، وإدراجُه تحتَ اللفظِ مُمْكِنٌ إِذَا اعْتَبَرْنَاهُ من حَيْثُ الوضعُ، فَلاَ حاجةَ إِلَى القياسِ فِيهِ.

المسألةُ الثالثةُ: لابدَّ فِي الحديثِ مِن إضمارِ أمورٍ يُحْمَلُ عليها، وإن لم تُذْكَرْ لفظًا، مثلَ كونِ الثمنِ غيرَ مقبوضٍ، ومثلُ كونِ السلعةِ موجودةً عندَ المُشْتَرِي دونَ غيرِه، ومثلَ كونِ المالِ لاَ يفي بالديونِ، احترازًا عمَّا إِذَا كَانَ مساويًا، وقلنا: يُحْجَرُ عَلَى المُفْلِسِ فِي هَذِهِ الصورةِ.

المسألةُ الرابعةُ: إِذَا أَجَّرَ دارًا أَوْ دابَّةً، فأفلسَ المُسْتَأْجِرُ قبلَ تسليمِ الأجرةِ ومُضِيِّ المدَّةِ، فللمُؤَجِّرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت