فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 381

بعدَ الكُفْرِ باللَّهِ تعالى أعظمُ منْهُ. ثُمَّ يُحْتمَلُ منْ حيثُ اللَّفْظُ أنْ تَكونَ هذِهِ الأوَّليَّةُ مخصُوصَةً بما يَقعُ فِيهِ الْحُكْمُ بيَنَ النَّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكونَ عامَّةً في أوَّليَّةِ ما يُقضَى فيهِ مُطلَقًا. وممَّا يُقوِّي الأوَّلَ ما جاءَ في الحديثِ:"إِنَّ أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ".

341 -الحديثُ الثَّالثُ: عنْ سهلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: انْطَلَقَ عبدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيْصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فأَتَى مُحَيْصَةُ إلَى عبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتيِلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المدِيَنةَ، فَانْطَلَقَ عْبدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيْصَةُ وَحُوَيْصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلى النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ، فَذَهَبَ عبدُ الرَّحْمنِ يَتَكلَّمُ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"كَبِّرْ، كَبِّرْ"-وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ- فسَكَتَ. فَتَكَلَّمَا، فقالَ:"أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟"قالوا: وكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قالَ:"فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بخمْسِينَ يمِينًا"، قالوا: كَيْفَ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ.

وفى حديثِ حمَّادِ بْنِ زيدٍ: فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ؛ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ، قَالوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قالَ:"فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟"قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ."

وفى حديثِ سعيدِ بنِ عُبَيْدٍ: فَكَرِهَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ أنْ يَبْطُلَ دَمُهُ، فَوَدَاهُ بِمَائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ.

فيهِ مسائلُ، الأُولَى:"حَثْمَةُ"بفتحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسكونِ الثَّاءِ المثلَّثَةِ، و"حُوَيْصَةُ"بضمِّ الحاءِ المهمَلةِ وسكونِ اليَاءِ، وقد تُشدَّدُ مَكْسورةً، و"مُحَيْصَةُ"بضمِّ الميمِ وفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الياءِ وقد تُشَدَّدُ.

الثَّانِيَةُ: هذا الحديثُ أصْلٌ في القَسَامَةِ وأحْكَامِها، و"الْقَسامَةُ"بفتحِ القافِ: هيَ اليمينُ الَّتي يَحْلِفُ بها المدَّعِي للدَّمِ عندَ اللَّوْثِ، وقيلَ: إنَّها في اللُّغةِ اسمٌ لِلأولياءِ الَّذينَ يحْلِفُونَ على دَعْوى الدَّمِ. وموضِعُ جرَيانِ القَسامةِ أن يوجَدَ قتيلٌ لا يُعْرَفُ قاتِلُهُ، ولا تقُومُ عليهِ بيِّنةٌ، ويدَّعِي وليُّ القتيلِ قتْلَهُ على واحدٍ أو جماعةٍ، ويقْترنُ بالحالِ ما يُشْعِرُ بصِدْقِ الوليِّ، على تفْصيلٍ في الشُّروطِ عندَ الفُقَهاءِ أو بعضِهِمْ، ويُقالُ لَهُ:"اللَّوْثُ"، فيَحْلِفُ على ما يدَّعِيهِ.

الثَّالثَةُ: قدْ ذكرْنَا"اللَّوثَ"ومعنَاهُ. وفرَّعَ الفقهاءُ لهُ صُورًا، منها: وُجْدانُ القتيلِ في مَحِلَّةٍ أو قرْيةٍ بينَهُ وبينَ أهْلِهَا عداوَةٌ ظاهِرةٌ، وَوَصفَ بعضُهُم القريةَ هَهُنَا بأنْ تكونَ صغيرةً، واشترطَ أنْ لا يكونَ معهُمْ ساكِنٌ من غيرِهمْ؛ لاحتمالِ أنَّ القتْلَ من غيرِهْم حينَئِذٍ.

الرَّابعةُ: في الحديثِ"وهوَ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا"، وذلكَ يقْتضِي وجودَ الدَّمِ صَرِيحًا، والجرَاحَةَ ظاهِرةً. ولم يشْترطِ الشافعيَّةُ في اللَّوْثِ لا جِرَاحةً ولا دَمًا. وعَنْ أَبِي حَنيفةَ أنَّهُ إن لم تَكُنْ جراحةٌ ولا دمٌ فلا قسَامةَ، وإنْ وُجِدَتِ الجِراحَةُ ثبتَتِ القَسَامَةُ: وإن وُجِدَ الدَّمُ دونَ الجِراحَةِ، فإنْ خرَجَ من أنْفِهِ فلا قسامةَ: وإنْ خَرَجَ من الفَمِ أو الأُذنِ ثبتَت القَسَامةُ، هكذا حُكِيَ. واستدلَّ الشافعيَّةُ بأنَّ القتلَ قد يحصُلُ بالخنْقِ وعصْرِ الخِصْيَةِ، والقبضِ على مجْرَى النَّفَسِ، فيقومُ أثرُهُمَا مَقَامَ الجِراحَةِ.

الخامِسَةُ: عبدُ الرَّحمنِ بنُ سهْلٍ هوَ أخو القتيلِ، و مُحَيْصَةُ وحُوَيْصَةُ ابنَا مسعودٍ ابنا عمِّهِ. وأمرَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ بالكُبْرِ بقولِهِ:"كَبِّرْ كَبِّرْ"، فيُقالُ في هذا: إنَّ الحقَّ لعبدِ الرحمنِ لقُرْبِهِ، والدَّعْوى لَهُ، فكيفَ عَدَلَ عْنُهُ؟ وقد يُجَابُ عن هذا بأنَّ الكلامَ ليسَ هو حقيقةُ الدَّعوى التي يترتَّبُ عليها الحُكْمُ، بل هوَ كلامٌ لشرْحِ الواقِعةِ، وتَبْيِينِ حَالِها، أو يُقالُ: إنَّ عبَدَ الرحمنِ يُفَوِّضُ الكلامَ والدَّعْوى إلى مَن هوَ أكبرُ منْهُ.

السَّادسَةُ: مذهبُ أهلِ الحجازِ، أنَّ المُدَّعِيَ في مَحِلِّ القَسَامَةِ يُبدأُ بِهِ في اليمينِ، كما اقتضَاهُ الحديثُ. ونُقِلَ عنْ أبي حنيفةَ خلافُهُ، وكأنَّهُ قَدَّمَ الْمُدَّعِيَ ههُنَا -على خِلافِ قياسِ الْخُصُوماتِ- بما انضَافَ إلى دعواهُ منْ شهادةِ اللَّوْثِ، مع عِظَمِ قدْرِ الدِّماءِ؛ وَلِيُنَبِّهَ على أنَّهُ ليسَ كلُّ واحدٍ من هذينِ المعنيينِ بعلَّةٍ مستقلَّةٍ، بلْ ينبَغِي أن يُجْعَلَ كلُّ واحدٍ جُزْءَ عِلَّةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت