فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 381

صومِ الدَّهرِ أَقوى منهُ دلالةً. والعملُ بأقوى الدليلينِ واجبٌ، والذينَ أجازُوا صومَ الدَّهرِ حملوا النَّهيَ على ذيِ عَجْزٍ أو مشقَّةٍ، أو ما يقربُ من ذلكَ، من لزومِ تعطيلِ مصالحَ راجحةٍ على الصَّومِ، أو متعلِّقَةٍ بحقِّ الغيرِ كالزَّوجةِ مثلًا.

المسألةُ السادسةُ: قولُه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ فِي صومِ داوُدَ: (( وهو أفضلُ الصِّيامِ ) )ظاهرٌ قويٌّ فِي تفضيلِ هذا الصَّومِ على صومِ الأبدِ. والذينَ قالوا بخلافِ ذلكَ: نظرُوا إِلَى أنَّ العمل متى كانَ أكثرَ كانَ الأجرُ أوفرَ. هذَا هوَ الأصلُ، فاحتاجُوا إِلَى تأويلِ هذا. وقيلَ فيهِ: إنهُ أفضلُ الصِّيامِ بالنِّسبةِ إِلَى مَن حالُه مثلُ حالكَ، أي من يتعذَّرُ عليهِ الجمعُ بينَ الصَّومِ الأكثرِ وبينَ القيامِ بالحُقوقِ. والأقربُ عندي: أنْ يُجرى على ظاهرِ الحديثِ فِي تفضيلِ صيامِ داودَ عليهِ السَّلامُ. والسببُ فيهِ: أنَّ الأفعالَ متعارضةُ المصالحِ والمفاسدِ. وليسَ كلُّ ذلكَ معلومًا لنَا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضَتِ المصالِحُ والمفاسِدُ، فمقدارُ تأثيرِ كلِّ واحدٍ منهَا فِي الحثِّ والمنعِ غيرُ محقَّقٍ لنَا. فالطريقُ حينئذٍ. أن نُفوِّضَ الأمرَ إِلَى صاحبِ الشَّرعِ، ونجرِي على مَا دلَّ عليهِ ظاهرُ اللفظِ مع قوَّةِ الظاهرِ ههنا. وأمَّا زيادةُ العملِ واقتضاءُ القاعدةِ لزيادةِ الأجرِ بسببهِ: فيُعارضُه اقتضاءُ العادةِ والجبلَّةِ للتقصيرِ فِي حقوقٍ يعارضُها الصَّومُ الدائمُ، ومقاديرُ ذلكَ الفائتِ معَ مقاديرِ ذلكَ الحاصلِ من الصَّومِ غيرُ معلومٍ لنَا.

وقولهُ عليهِ الصلاةُ و السلامُ: (( لا صومَ فوقَ صومِ داودَ ) )يُحملُ على أنهُ لا فوقَهُ فِي الفضيلةِ المسؤُولِ عنهَا.

199 -الحديثُ الثَّانِي: عْنَ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ أَحَبَّ الصَّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ داودَ، وَأَحَبَّ الصَّلاَةِ إِلَى اللهِ صَلاَةُ داوَدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ الْلَيلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَةُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ) ).

وَفِي هذهِ الروايةِ زيادةُ قيامِ الْلَيلِ. وتقديرُه بما ذُكرَ. ونومُ سُدسهِ الأخيرِ: فيه مصلحةُ الإبقاءِ على النَّفسِ، واستقبالِ صلاةِ الصُّبح، وأذكارِ أوَّلِ النَّهارِ بالنَّشاطِ. والذِي تقدَّمَ فِي الصَّومِ منَ المعارضِ: واردٌ هنا. وهو أنَّ زيادةَ العملِ تقتضِي زيادةَ الفضيلةِ، والكلامُ فيهِ كالكلامِ فِي الصَّومِ من تفويضِ مقاديرِِ المصالحِ والمفاسدِ إِلَى صاحبِ الشَّرعِ.

وَمِن مصالحِ هذا النَّوعِ من القيامِ أيضًا: أنهُ أقربُ إِلَى عدمِ الرِّياءِ فِي الأعمالِ. فإنَّ مَن نامَ السُّدسَ الأخيرَ: أصبحَ جَامًّا غيرَ منهوكِ القِوَى. فهو أقربُ إِلَى أنْ يُخفِيَ أثرَ عملِهِ على مَن يَراهُ، ومنْ يُخالفْ هذا يجعلْ قولَه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( أحبُّ الصِّيامِ ) )مخصوصًا بحالةٍ، أو بفاعلٍ، وعُمدتُهم: النَّظرُ إِلَى ما ذكرناهُ.

200 -الحديثُ الثّالثُ: عن أبي هريرةَ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ: صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتي الضُّحى، وَأَنْ أُوْتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.

فيهِ دليلٌ عَلَى تأكيدِ هذهِ الأمورِ بالقصدِ إِلَى الوصيةِ بِهَا، وصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ قدْ وردتْ علَّتُه فِي الحديثِ، وهوَ تحصيلُ أجرِ الشَّهرِ، باعتبارِ أنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، وقد ذكرنَا ما فيهِ، ورَأَى من يَرى أنَّ ذلكَ أجرٌ بلا تضعيفٍ، ليحصلَ الفرقُ بينَ صومِ الشَّهرِ تقديرًا، وبين صومهِ تحقيقًا.

وَفِي الحديثِ دليلٌ على استحبابِ صلاةِ الضُّحى، وأنَّها ركعتانِ، ولعلَّهُ ذَكرَ الأقلَّ الذِي توجَّهَ التأكيدُ لفعلهِ، وعدمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت