للمجملِ أم لا؟ فمِنْ ههنا مأخذُ مَن يَرى الوجوبَ - والأكثرونَ علَى الاستحبابِ. وإذا قلنَا بالاستحبابِ: فهل يسجدُ للسُّهوِ إذا تركَ منهَا شيئًا، ولوْ واحدةً، أو لا يسجدُ ولو تركَ الجميعَ، أو لا يسجدُ حتَّى يتركَ متعدِّدًا منهَا؟ اختلفُوا فيهِ. وليسَ لهُ بهذَا الحديثِ تعلُّقٌ، إلا أنْ يُجعلَ مقدِّمةً. فيستدلُّ بهِ على أنهُ سنَّةٌ، ويُضمُّ إليهِ مقدمةٌ أُخرَى: أنَّ تركَ السُّنَّةِ يقتضِي السُّجودَ، إنْ ثبتَ على ذلكَ دليلٌ فيكونُ المجموعُ دليلًا علَى السُّجودِ.
وأما التَّفرقةُ بينَ أن يكونَ المتروكُ مرةً أو أكثرَ: فراجعٌ إلى الاستحسانِ، وتخفيفُ أمرِ المرَّةِ الواحدةِ. ومذهبُ الشَّافعيِّ: أنَّ تركَها لا يوجبُ السُّجودَ.
90 -الحديثُ الثَّامنُ: عنِ البراءِ بنِ عازبٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ: رَمَقْتُ الصَّلاَةَ مَعَ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فِجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
وفي روايةِ البخاريِّ (( مَا خَلا الْقيَامَ والقَعُودَ قَريبًا مِنَ السَّوَاءِ ) ).
قولُه: (( قريبًا مِنَ السَّواءِ ) )قد يقتضِي: إمَّا تطويلَ ما العادةُ فيهِ التَّخفيفُ، أو تخفيفَ ما العادةُ فيهِ التَّطويلُ، إذَا كانَ ثمَّ عادةٌ متقدِّمةُ. وقد وردَ ما يقتضِي التطويلَ في القيامِ، كقراءةِ ما بينَ السِّتينَ إلى المائةِ. وكما وردَ في التَّطويلِ في قراءةِ الظُّهرِ بحيثُ يذهبُ الذَّاهِبُ إلى البقيعِ فيقضِي حاجتَهُ، ثم يتوضأُ ثمَّ يأتي ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الركعةِ الأولى مما يُطوِّلها. وقد تكلَّمَ الفقهاءُ في الأركانِ الطويلةِ والقصيرةِ. واختلفُوا في الرَّفعِ من الركوعِ: هل هو ركنٌ طويلٌ أو قصيرٌ؟ ورجَّحَ أصحابُ الشافعيِّ: أنَّه ركنٌ قصيرٌ. وفائدةُ الخلافِ فيهِ: أنَّ تطويلَه يقطعُ الموالاةَ الواجبةَ في الصَّلاةِ. ومِن هذَا قالَ بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ: إنهُ إذا طوَّلهُ بَطُلَتِ الصَّلاةُ، وقالَ بعضُهم: لا تبطلُ حتَّى يَنقلَ إليهِ ركنًا، كقراءةِ الفاتحةِ أو التَّشهُّدِ.
وهذَا الحديثُ يَدَلُّ على أنَّ الرَّفعَ مِن الرُّكوعِ ركنٌ طويلٌ. لأنهُ لا يتأتَّى أنْ تكونَ القراءةُ في الصَّلاةِ - فرضِها ونفلِهِا - بمقدارِ ما إذَا فعلَ في الرَّفعِ منَ الرُّكوعِ كانَ قصيرًا. وهذا الذي ذُكِرَ في الحديثِِ - مِن استواءِ الصَّلاةِ - ذهبَ بعضُهم إلى أنَّهُ الفعلُ المتأخِّرُ بعدَ ذلكَ التَّطويلِ. وقد وردَ في بعضِ الأحاديثِ (( وكانتْ صلاتُهُ بعدُ تخفيفًا ) ).
والذي ذكرهُ المصنِّفُ عن روايةِ البُخاريِّ، وهو قولُه: (( ما خلاَ القيامَ والقعودَ - إلى آخرِه ) )وذهبَ بعضُهمْ إلى تصحيحِ هذهِ الرِّوايةِ، دونَ الرِّوايةِ التي ذُكرَ فيها القيامُ. ونَسبَ روايةَ ذِكْرِ القيامِ إلى الوهمِ. وهذَا بعيدٌ عندنَا، لأنَّ توهيمَ الرَّاوي الثقةِ على خلافِ الأصلِ - لا سيَّمَا إذا لمْ يدلَّ دليلٌ قويٌّ - لا يمكنُ الجمعُ بينهُ وبينَ الزَّيادةِ، على كونِهَا وهمًا وليسَ هذَا من بابِ العُمومِ والخُصوصِ، حتَّى يحملَ العامُّ على الخاصِّ فيما عدَا القيامَ. فإنهُ قد صرَّحَ في حديثِ البراءِ في تلكَ الرِّوايةِ بذكرِ القيامِ.
ويُمكنُ الجمعُ بينهمَا بأنْ يكونَ فِعْلُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلكَ كانَ مختلفًا. فتارةً يستوِي الجميعُ. وتارةً يستوِي ما عدَا القيامَ والقعودَ وليسَ في هذَا إلا أحدُ أمرينِ: إمَّا الخروجُ عمَّا تقتضيهِ لفظةُ (( كانَ ) )- إنْ كانتْ وردتْ - مِنَ المداومةِ، أو الأكثريَّةِ. وإمَّا أنْ يُقالَ: الحديثُ واحدٌ، اختلفَتْ رُواتُه عنْ واحدٍ. فيقتضِي ذلكَ التَّعارضَ. ولعلَّ هذَا هوَ السببُ الذِي دعَا مَن ذكرنَا عنهُ أنه نَسبَ تلكَ الرّوايةَ إلى الوهمِ ممنْ قالَهُ. وهذا الوجهُ الثَّانِي - أعنِي اتِّحَادَ الرِّوايةِ - أقوَى مِنَ الأُولَى فِي وقوعِ