الرابعُ: فيهِ دليلٌ على كراهيةِ إنشاءِ الصَّومِ قبلَ الشَّهرِِ بيومٍ، أو بيومينِ بالتطُّوعِ؛ فإنهُ خارجٌ عمَّا رُخِّصَ فيهِ. ولا يَبعدُ أنْ يدخلَ تحتَهُ النذرُ المخصوصُ باليومِ من حيثُ اللفظُ، ولكنهُ تُعارِضُهُ الدلائلُ الدالةُ على الوفاءِ بالنذرِ.
180 -الحديثُ الثَّانِي: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رضيَ اللهُ عنهمَا، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( إذَا رَأَيْتُموهُ فَصُومُوا، وإذَا رَأَيْتُموهُ فأَفْطِرُوا، فإنْ غُمَّ عَليْكُم فاقْدُرُوا لَهُ ) ).
الكلامُ عليهِِ من وجوهٍ:
أحدُها: أنهُ يدلَّ على تعليقِ الحكمِ بالرُّؤيةِ، ولا يرادُ بذلِِكَ: رؤيةُ كلِّ فردٍ، بل مطلقُ الرُّؤيةِ. ويُستدلُّ بهِ على عدمِ تعليقِ الحكمِ بالحسابِ الذِي يراهُ المنجِّمونَ. وعن بعضِ المتقدِّمِينَ: أنَّهُ رأى العملَ بهِ، وَرَكَنَ إليهِ بعضُ البغداديينَ من المالكيةِ. وقالَ بهِ بعضُ أكابرِ الشافعيَّةِ بالنَّسبةِ إِلَى صاحِبِ الحسابِ. وقد استُشْنِعَ هذا، لَمَّا حُكِيَ عن مُطرِّفِ بنِ عبدِِ اللهِ من المتقدِّمينَ. قال بعضُهم: ليتهُ لمْ يقلْه. والذي أقولُ بهِ: إنَّ الحسابَ لا يجوزُ أنْ يُعْتَمَدَ عليهِ فِي الصَّومِ، لمفارقةِ القمرِ للشَّمسِ - على ما يراهُ المنجِّمونَ - من تقدُّمِ الشَّهرِ بالحسابِ على الشَّهرِ بالرؤيةِ بيومٍ، أو يومينِ. فإنَّ ذلكَ إحداثٌ لسببٍ لم يَشرعْهُ اللهُ تعالى. وأمَّا إذا دلَّ الحسابُ على أنَّ الهلالَ قد طلعَ مِن الأُفقِ على وجهٍ يُرَى، لولا وجودُ المانعِ - كالغيمِ مثلًا - فهذا يقتضِي الوجوبَ، لوجودِ السَّببِ الشَّرعيِّ. وليسَ حقيقةُ الرُّؤيةِ بشرطٍ من اللُّزومِ؛ لأنَّ الاتِّفاقَ على أنَّ المحبوُسَ فِي المطْمورةِ إذا عَلِمِ بإِكمالِ العدَّةِ، أو بالاجتهادِ بالأماراتِ: أنَّ اليومَ مِن رَمضانَ، وجبَ عليهِِ الصَّومُ، وإنْ لمْ يرَ الهِلالَ، ولا أخبرَهُ مَن رآهُ.
الثاني: يدُلُّ على وجوبِ الصَّومِ على المنفرِدِ برؤيةِ هِلالِ رمضانَ، وعلى الإفطارِ على المنفردِ برؤيةِ هلالِ شوَّالٍ، ولقدْ أبعدَ مَن قالَ: بأنهُ لا يفطرُ إذا انفردَ برؤيةِ هلالِ شوالٍ. ولكنْ قالوا: يفطرُ سِرًّا.
الثالثُ: اختلفُوا فِي أنَّ حكمَ الرُّؤيةِ ببلدٍ: هلْ يتعدَّى إِلَى غيرِهَا مِمَّالمْ يُرَ فيهِ؟ وقدْ يَستدلُّ بهذا الحديثِ مَن قالَ بعدمِ تعدِّي الحكمِ إِلَى البلدِ الآخرِ. كمَا إذا فرضنَا: أنَّه رُئيَ الهلالُ ببلدٍ فِي ليلةٍ، ولم يُرَ فِي تلكَ الْلَيلةِ بآخرَ. فتكمَّلتْ ثلاثونَ يومًا بالرُّؤيةِ الأولَى. ولم يُرَ فِي البلدِ الآخرِ: هلْ يفطرونَ أمْ لا؟ فَمَنْ قالَ بتعدِّي الحكمِ، قال بالإفطَارِ. وقدْ وقعت المسألةُ فِي زمَنِ ابنِ عبّاسٍ، وقال: لا نزالُ نصومُ حتَّى نُكملَ ثلاثينَ، أو نراهُ، وقال: هكذَا أمرنَا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويمكنُ أنهُ أرادَ بذلكَ هذا الحديثَ العامَّ، لا حديثًا خاصًّا بهذه المسألةِ، وهو الأقربُ عندي، واللهُ أعلمُ.
الرابعُ: استُدِلَّ لمن قال بالعَمَلِ بالحسابِ فِي الصَّومِ بقولهِ: (( فاقدُروا لهُ ) )، فإنهُ أمرٌ يقتضِي التَّقديرَ. وتأوَّلهُ غيرُهُم بِأنَّ المرادَ: إكمالُ العدَّةِ ثلاثينَ. ويُحملُ قولُهُ: (( فاقدُروا لهُ ) )على هذَا المعنَى - أعنِي إكمالَ العدَّةِ ثلاثينَ - كمَا جاءَ فِي الرِّوايةِ الأخرَى مبيَّنًا فأكمِلُوا العدَّةَ ثلاثينَ )) .
والمرادُ بقولهِ عليهِ الصلاةُ و السلامُ: (( غُمَّ عليكُمْ ) )اسْتَتَرَ أمرُ الهلالِ وغُمَّ أمرُهُ. وقد وردَتْ فيهِ رواياتٌ على غيرِ هذهِ الصيغةِ.