فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 381

الواجبَ. وفى قولِ الرَّاوِي: فلمَّا شَهِدَ على نفسِهِ أربعَ شَهَاداتٍ دعاهُ رسولُ اللَّهِ .. إلخ، إِشْعَارٌ بأنَّ الشهادةَ أربعًا هيَ العِلَّةُ في الحُكْمِ.

ومذهبُ الشَّافِعِيِّ ومَالكٍ ومَن تَبِعَهُمَا: أنَّ الإقرارَ مرَّةً واحدةً مُوجِبٌ للحدِّ، قياسًا على سائرِ الحُقوقِ، فكأنَّهم لم يرَوْا أنَّ تأخيرَ الحدِّ إلى تمامِ الإقرارِ أربعًا لمَا ذَكَرَهُ الحنفيَّةُ، وكأنَّهُ من بابِ الاستثباتِ والتحقيقِ لوجودِ السببِ؛ لأنَّ مبْنَى الحدِّ على الاحتياطِ في تَرْكِهِ ودَرْئِهِ بالشُبُهَاتِ.

وفى الحديثِ دليلٌ على سؤالِ الحاكمِ في الواقعةِ عمَّا يَحْتَاجُ إليهِ في الحُكْمِ، وذلكَ من الواجباتِ، كسؤالِهِ عليهِ السلامُ عن الجُنُونِ ليتبَيَّنَ العقلَ، وعن الإحصانِ ليُثْبِتَ الرَّجمَ، ولم يَكُنْ بُدٌّ من ذلكَ. فإنَّ الحدَّ مُتَرَدِّدٌ بينَ الجَلْدِ والرَّجْمِ، ولا يُمْكِنُ الإقدامُ على أحدِهما إلا بعدَ تبيُّنِ سببِهِ.

وقولُهُ عليهِ السلامُ:"أَبِكَ جُنُونٌ؟"ويُمْكِنُ أنْ يُسْأَلَ عنهُ، فيُقَالُ: إنَّ إقرارَ المجنونِ غيرُ مُعْتَبَرٍ. فلوْ كانَ مجنونًا لم يُفِدْ قولُهُ إنَّهُ ليسَ بهِ جنونٌ. فما وَجْهُ الحكمةِ في سؤالِهِ عن ذلكَ؟ بلْ سؤالُ غيرِهِ مِمَّنْ يعرِفُهُ هوَ المُؤَثِّرُ.

وجوابُهُ: أنَّهُ قدْ ورَدَ أنَّهُ سألَ غيرَهُ عن ذلكَ. وعلى تقديرِ أنْ لا يكونَ وقعَ سؤالُ غيرِهِ، فيُمْكِنُ أنْ يكونَ سؤالُهُ ليتبَيَّنَ بمُخَاطَبَتِهِ ومراجعَتِهِ تَثَبُّتَهُ وعقْلَهُ، فيبْنِي الأمرَ عليهِ، لا على مُجَرَّدِ إقرارِهِ بعدمِ الجُنُونِ.

وفى الحديثِ دليلٌ على تفويضِ الإمامِ الرَّجْمَ إلى غيرِهِ. ولفظُهُ يُشْعِرُ بأنَّ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ لم يَحْضُرْهُ؛ فَيُؤْخَذُ منهُ عَدَمُ حُضُورِ الإمامِ الرجمَ، وإن كانَ الفقهاءُ قد اسْتَحَبُّوا أن يبدأَ الإمامُ بالرجمِ إذا ثبتَ الزنا بالإقرارِ، ويبدأُ الشُّهودُ بهِ إذا ثبتَ بالبَيِّنَةِ، وكأنَّ الإمامَ لمَّا كانَ عليهِ التَثَبُّتُ والاحتياطُ قيلَ لهُ: ابدأْ؛ ليكُونَ ذلكَ زاجِرًا عن التَّسَاهُلِ في الحُكْمِ بالحدودِ، وداعيًا إلى غايةِ التثَبُّتِ. وأمَّا في الشهودِ فظاهِرٌ؛ لأنَّ قتْلَهُ بقولِهِم.

وقولُهُ: فلمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ، أيْ بلَغَتْ منهُ الجَهْدَ، وقيلَ: عَضَّتْهُ وأوْجَعَتْهُ، وأوْهَنَتْهُ. وقولُهُ: هَرَبَ، فيهِ دليلٌ على عدمِ الحَفْرِ لهُ.

353 -الحديثُ الخامسُ: عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أنَّهُ قالَ:"إنَّ اليَهُودَ جاءُوا إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ فذَكَرُوا لهُ أنَّ امرأةً منهُم ورجلًا زَنَيَا. فقالَ لهم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟"فقالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ. قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُم، فيها آيةُ الرجمِ، فأتَوْا بالتوراةِ فَنَشَرُوهَا، فوضعَ أحدُهم يدَهُ على آيةِ الرجمِ، فقرأَ ما قبلَها وما بعدَها. فقالَ لهُ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يدَكَ. فرَفَعَ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقالَ: صَدَقَ يا مُحَمَّدُ، فأمرَ بهما النبيُّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ فرُجِمَا. قالَ: فرأيتُ الرجُلَ: يَجْنَأُ على المرأةِ يَقِيهَا الحِجارةَ".

قالَ رضيَ اللَّهُ عنهُ: الذي وضعَ يدَهُ على آيةِ الرجمِ: هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا.

اختلفَ الفقهاءُ في أنَّ الإسلامَ هلْ هوَ شَرْطٌ في الإحصانِ أمْ لا؟ فذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّهُ ليسَ بشَرْطٍ. فإذا حكمَ الحاكمُ على الذِّمِّيِّ المُحْصِنِ رَجَمَهُ. ومذهبُ أبي حَنِيفَةَ أنَّ الإسلامَ شَرْطٌ في الإحصانِ. واستدلَّ الشافعيَّةُ بهذا الحديثِ ورجمِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ اليهُودِيَّيْنِ، واعتذَرَ الحنفيَّةُ عنهُ بأنْ قالوا: رجمَهُمَا بحُكْمِ التوراةِ، وأنَّهُ سألَهُم عن ذلكَ، وأنَّ ذلكَ عندما قَدِمَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم المدينةَ، وادَّعَوْا أنَّ آيةَ حدِّ الزِّنا نزلَتْ بعدَ ذلكَ. فكانَ ذلكَ الحديثُ منسُوخًا. وهذا يحتاجُ إلى تحقيقِ التاريخِ، أعْنِي ادِّعَاءَ النَّسْخِ.

وقولُهُ: فرأَيْتُ الرجُلَ يَجْنَأُ على المرأةِ، الجَيِّدُ في الرِّوَايةِ"يَجْنَأُ"بفتْحِ الياءِ وسكونِ الجيمِ وفتحِ النُّونِ والهمزةِ: أيْ يمِيلُ. ومنهُ الجَنَى. قالَ الشَّاعرُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت