فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 381

334 -وعنْها قالتْ:"إِنَّ أَفْلَحَ -أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ- اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وَسَلَّمَ، فإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، فَقَالَ:"ائْذَنِي لَهُ؛ فإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ"."

قَالَ عُرْوَةُ:"فَبِذَلِكَ كانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".

335 -وفى لفظٍ:"اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فقالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي، وَأَنَا عَمُّكِ؟ فقلتُ: كَيْفَ ذلِكَ؟ قالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، قالتْ: فَسَأَلْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ؟ فقالَ:"صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ تَرِبَتْ يَمينُكِ"،أي افْتَقَرَتْ، وَالْعَرَبُ تَدْعُو عَلَى الرَّجُلِ وَلا تُرِيدُ وُقُوعَ الأمْرِ بِهِ."

336 -وعنْهَا رضيَ اللَّهُ عنْهَا قالتْ:"دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ وَعِنْدِي رَجُلٌ فقالَ: يا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فقالَ: يا عائشةُ:"انْظُرْنَ مَنْ إِخْوانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ"."انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ"نوعٌ منَ التّعريضِ؛ لِخَشْيَةِ أنْ تكونَ رضاعةُ ذلكَ الشَّخصِ وقعتْ في حالِ الكِبَرِ؛ وفيهِ دليلٌ على أنَّ كلِمَةَ"إنَّما"للحَصْرِ؛ لأنَّ المقْصودَ حصْرُ الرَّضاعةِ الْمُحرِّمةِ في المجاعَةِ، لا مجرَّدُ إثباتِ الرَّضاعةِ في زمنِ المجاعةِ."

337 -الحديثُ الثَّالثُ: عن عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رضيَ اللَّهُ عْنهُ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيى بِنْتَ أبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ، قَالَ: فأَعْرَضَ عَنِّي، قالَ: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، قالَ: كَيْفَ، وقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُما؟!""

من النَّاسِ مَنْ قالَ: إِنَّهُ تُقْبَلُ شهادةُ المُرْضِعةِ وحدَها في الرَّضاعِ، أخْذًا بظاهرِ هذا الحديثِ، ولا بُدَّ فِيهِ معَ ذلكَ أيْضًا -إذا أجْريْناهُ على ظاهِرِهِ- مِن قَبولِ شهادةِ الأَمَةِ، ومْنُهمْ مَن لم يَقْبَلْ ذلِكَ، وحمَلَ هذا الحديثَ على الورَعِ. وُيشعِرُ بهِ قولُهُ عليهِ السلامُ:"كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!"والورَعُ في مثلِ هذا مُتَأَكَّدٌ.

"وعُقْبَةُ بنُ الحارثِ"هوَ أَبُو سِرْوَعَةَ -بكَسْرِ السينِ المهمَلةِ وسُكونِ الرَّاءِ وفتحِ الواوِ والعَيْنِ الْمُهْمَلةِ- واللَّهُ أعلمُ.

338 -الحديثُ الرَّابعُ: عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ:"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ -يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ- فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمُّ، فَتَنَاولَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُوَنَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، فَاحْتَمَلَتْهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ، فقالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وقالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وقالَ زَيْدٌ: ابنةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ لِخَالَتِهَا وقالَ:"الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". وقالَ لِعَلِيٍّ:"أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ". وقالَ لجعْفَرٍ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي". وقالَ لِزَيْدٍ:"أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا".

الحديثُ أصْلٌ في بابِ الحضَانَةِ، وصريحٌ في أنَّ الخالةَ فيها كالأُمِّ عندَ عَدمِ الأُمِّ. وقولُهُ عليهِ السَّلامُ:"الخالةُ بِمَنْزِلةِ الأُمِّ"سِياقُ الحديثِ يدلُّ على أنَّها بمنزلَتِها في الحضَانَةِ. وقد يَسْتَدِلُّ بإطِلاقِهِ أصحابُ التَّنزيلِ على تنزيلِها منزلَةَ الأمِّ في الميراثِ، إلا أنَّ الأوَّلَ أقْوَى؛ فإنَّ السِّياقَ طريقٌ إلى بيانِ الْمُجْمَلاتِ، وتعيينِ الْمُحْتَمَلاتِ، وتنزيلِ الكلامِ على المقصودِ منْهُ. وفهمُ ذلكَ قاعدةٌ كبيرةٌ من قواعدِ أُصولِ الفِقْهِ. ولَمْ أرَ مَن تعرَّضَ لها في أُصولِ الفقْهِ بالكلامِ عليْها وتقريرِ قاعِدَتِها مُطَوَّلةً إلا بعضَ المتأخِّرينَ مِمَّن أدْرَكْنَا أصْحَابَهُمْ. وهيَ قاعدةٌ متعيِّنةٌ على النَّاظِرِ، وإنْ كانتْ ذاتَ شَغَبٍ على الْمَنَاظِرِ.

والَّذي قالَهُ النَّبِيُّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ لِهؤلاءِ الجماعةِ من الكلامِ المُطَيِّبِ لقُلُوبِهمْ مِن حُسْنِ أخلاقِهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت