إِلَى موضِعِ الإِمامِ فتقضِي، ثُمَّ تذهبُ، ثُمَّ تأتِي الطائفةُ الثانيةُ إِلَى موضِعِ الإِمامِ، فتقضِي ثُمَّ تذهبُ، وَقَدْ أُنكرتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الزيادةُ، وقيلَ: إِنَّها لمْ تردْ فِي حديثٍ.
واختارَ الشافعيُّ روايةَ صالحِ بنِ خَوّاتٍ عمَّنْ صلَّى مَعَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاةَ الخوفِ، واختلفَ أصحابُهُ: لَوْ صلَّى عَلَى روايةِ ابنِ عمرَ: هل تصحُّ صلاتُه أم لاَ؟ فقيلَ: إنها صحيحةٌ لصحَّةِ الرِّوايةِ، وترجيحُ روايةِ صالحٍ مِن بابِ الأَوْلَى.
واختارَ مالكٌ ترجيحَ الصِّفةِ التي ذكرهَا سهلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، التي رواهَا عَنْهُ فِي الموطَّأِ موقوفةً، وهي تُخالفُ الرِّوايةَ المذكورةَ فِي الكتابِ فِي سلامِ الإِمامِ، فإنَّ فيها: أنَّ الإِمامِ يُسلِّمُ وتقضي الطائفةُ الثانيةُ بعدَ سلامِه.
والفقهاءُ لما رجَّحَ بعضُهم بعضَ الرِّواياتِ عَلَى بعضٍ، احتاجُوا إِلَى ذِكْرِ سببِ التَّرجيحِ، فتارةً يُرجِّحونَ بموافقةِ ظاهرِ القُرآنِ، وتارةً بكثرةِ الرُّواةِ، وتارةً بكونِ بعضِها موصولًا وبعضِهَا موقوفًا، وتارةً بالموافقةِ للأصولِ فِي غيرِ هَذِهِ الصَّلاةِ، وتارةً بالمعانِي، وَهَذِهِ الرِّوايةُ التي اختارَها أبو حنيفةَ توافقُ الأصولَ فِي أنَّ قضاءَ الطائفتينِ بعدَ سلامِ الإِمامِ.
وأمَّا مَا اختارَهُ الشافعيُّ: ففيهِ قضاءُ الطائفتينِ معًا قبلَ سلامِ الإمامِ.
وأمَّا مَا اختارَهُ مالكٌ: ففيهِ قضاءُ إحدَى الطائفتينِ فَقَطْ قبلَ سلامِ الإمامِ.
155 -الحديثُ الثَّانى: عن يزيدَ بنِ رومانَ عن صالحِ بن خَوَّاتِ بنِ جُبيرٍ عَمَّنْ صلَّى معَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاَةَ ذاتِ الرِّقاعِ، صلاَةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ معَهُ، وَطَائِفَةً وجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلى بالذِينَ مَعَهُ، ثمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهُمْ، ثمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِم الرَّكْعَةَ التِي بَقِيَتْ، ثمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِم، ثمَّ سَلَّم بِهِمْ )) .
الرَّجُلُ الذِي صَلَّى معَ رسولِ اللهِ صَلَّى الله ُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ سَهْلُ بْنُ أَبِى حَثْمَةَ.
هذا الحديثُ هو مختارُ الشَّافعيِّ فِي صلاةِ الخوفِ إِذَا كانَ العدوُّ فِي غيرِ جهةِ القبلةِ. ومقتضاهُ: أَنَّ الإِمامَ ينتظرُ الطائفةَ الثانيةَ قائمًا فِي الثانيةِ، وهذا في الصَّلاةِ المقصورةِ، أو الثنائيةِ فِي أصلِ الشرَّعِ. فَأمَّا الرباعيةُ: فهلْ ينتظرُها قائمًا فِي الثالثةِ، أو قبلَ قيامهِ؟ فيهِ اختلافٌ للفقهاءِ فِي مذهبِ مالكٍ. وإذا قيلَ بأنَّهُ ينتظرُها قبلَ قيامهِ، فهلْ تُفارقُه الطائفةُ الأُولى قبلَ تشهُّدِه بعدَ رفعهِ من السُّجودِ، أو بعدَ التشهُّدِ؟ اختلفَ الفُقهاءُ فيهِ. وليسَ فِي الحديثِ دلالةٌ لفظيةٌ على أحدِ المذهبينِ. وإنما يؤخذُ بطريقِ الاستنباطِ منهُ.
ومقتضَى الحديثِ أيضًا: أَنَّ الطائفةَ الأُولى تتمُّ لأنفُسهَا، مع بقاءِ صلاةِ الإمامِ. وفيه مخالفةٌ للأصولِ في غيرِ هذهِ الصَّلاةِ. لكنْ فيهَا ترجيحٌ من جهةِ المعنَى. لأنها إذَا قضتْ وتوجَّهتْ إِلَى نحوِ العدُوِّ، توجَّهتْ فارغةً مِن الشُّغلِ بالصَّلاةِ. فيتوفَّرُ مقصودُ صلاةِ الخوفِ. وهو الحراسةُ على الصِّفةِ التِي اختارهَا أبو حنيفةَ. بتوجُّهِ الطائفةِ للحراسةِ، مع كونِها فِي الصَّلاة، فلا يتوفَّرُ