فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 381

وقولُه: (( فوكفَ المسجدُ ) )، أي قطرَ، يقالُ: وَكَف البيتُ يَكِفُ وَكفًا، ووكوفًا: إذَا قَطَرَ، ووكَفَ الدمعُ وكيفًا ووَكَفانًا: بمعنى قَطَرَ.

وَقَدْ يَأخذُ منَ الحديثِ بعضُ الناسِ: أنَّ مباشرةَ الجبهةِ بالمصلَّى فِي السجودِ غيرُ واجبٍ، وهو مَن يقولُ: إنَّهُ لو سجَدَ علَى كُورِ العمامةِ - كالطاقةِ والطَّاقَتَيْنِ - صحَّ، ووجهُ الاستدلالِ: أنَّهُ إذا سجَدَ فِي الماءِ والطينِ فَفِي السجودِ الأوَّلِ: يَعَلقُ الطينُ بالجبهةِ، فإِذَا سجدَ السجودَ الثَّانِي: كانَ الطينُ الذِي عَلَقَ بالجبهةِ فِي السجودِ الأوَّلِ حائلًا فِي السجودِ الثانِي عن مباشرةِ الجبهةِ بالأرضِ، وفيهِ معَ ذلكَ احتمالٌ لأن يكونَ مسَحَ ما عَلِقَ بالجبهةِ أَولًا قبلَ السجودِ الثاني.

والذي جاءَ فِي الحديثِ مِن قولِه: وهيَ الْلَيلةُ التِي يَخرجُ من صبيحتِها مِن اعتكافهِ، وقولُهُ فِي آخرِ الحديثِ: فرأيتُ أثرَ الماءِ والطَّينِ على جبهتهِ من صبحِ إحدَى وعشرينَ، يتعلَّقُ بمسألةٍ تكلموا فيهَا، وهيَ أنَّ ليلةَ اليومِ: هلْ هيَ السابقةُ عليهِ، كما هَو المشهورُ، أو الآتيةُ بعدَه، كما نُقلَ عن بعضِ أهلِ الحديثِ الظاهريَّةِ؟.

209 -الحديثُ الأوَّلُ: عن عائشةَ، رضيَ اللهُ عنهَا: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَف أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ.

وَفِي لفظٍ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ مَكانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ.

(( الاعتكافُ ) )، الاحتباسُ واللزومُ للشَّيءِ كيفَ كانَ. وَفِي الشَّرعِ: لزومُ المسجدِ على وجهٍ مخصوصٍ، والكلامُ فيهِ كالكلام فيِ سائرِ الأسماءِ الشَّرعيَّةِ.

وحديثُ عائشةَ فيهِ استحبابُ مُطْلَقِ الاعتكافِ، واستحبَابُه فِي رمضاَنَ بخصوصِهِ، وَفِي العشرِ الأواخرِ بخصوصِهَا، وفيهِ تأكيدُ هذا الاستحبابِ بمَا أشعرَ بهِ اللفظُ مِن المداومةِ، وبما صرَّحَ بهِ فِي الرِّوايةِ الأخرى، مِن قولِها: فِي كلِّ رَمَضَانَ، وبما دلَّ عليهِ مِن عمَلِ أزواجِه مِن بعدِه، وفيهِ دليلٌ على استواءِ الرَّجلِ والمرأةِ فِي هذا الحكمِ.

وقولُها: فإذا صلَّى الغداةَ جاءَ مكانَهُ الذِي اعتكفَ فيهِ، الجمهورُ على أنهُ إذا أرادَ اعتكافَ العشرِ: دخلَ مُعْتَكََفَه قبلَ غروبِ الشَّمسِ، والدخولُ فِي أوَّلِ ليلةٍ منهُ، وهذا الحديثُ قدْ يقتضِي الدُّخولَ فِي أَوَّلِ النَّهارِ، وغيرُه أقوى منهُ فِي هذِه الدّلالةِ، ولكنَّه أُوِّلَ على أنَّ الاعتكافَ كانَ موجودًا، وأنَّ دخولَه فِي هذَا الوقتِ لِمُعْتَكَفِه، للانفرادِ عن النَّاسِ بعدَ الاجتماعِ بهِمْ فِي الصَّلاةِ، لا أنَّه كانَ ابتداءَ دخولِ المعتكَفِ، ويكونُ المرادُ بالمعتكَفِ ههنا: الموضعَ الذي خصَّهُ بهذَا أَوْ أعدَّهُ لَهُ، كما جاءَ: أنهُ اعتكفَ فِي قِبلةٍ، وكما جاءَ: أزواجُهُ ضربنَ أخبيةً، ويُشعرُ بِذلِكَ مَا فِي هذهِ الرِّوايةِ: دخلَ مكانهُ الذي اعتكفَ فيهِ, بلفظِ الماضِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت