فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 381

وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الخِلَافِيُّونَ مِن أَهْلِ عَصْرِنَا وَمَا قَارَبَهُ، أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذَا المَعْنَى، فيُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مْسْتَعْمَلًا قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الوَضْعُ غَيْرَهُ فِيمَا سَبَقَ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ إِلَى هَذَا الوَضْعِ، وَالأَصْلُ عَدَمُ تَغَيُّرِهِ، وَهَذَا كَلَامُ طَرِيفٌ، وَتَصَرُّفٌ غَرِيبٌ، قَدْ يُتَبَادَرُ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَيُقَالُ: الأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الوَاقِعِ فِي الزَّمَنِ المَاضِي إِلَى هَذَا الزَّمَانِ، أَمَّا أَنْ يُقَالَ: الأَصْلُ انْعِطَافُ الوَاقِعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى الزَّمَنِ المَاضِي، فَلَا، لَكِنَّ جَوَابَهُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الوَضْعُ ثَابِتٌ، فَإِنْ كَانَ هُو الَّذِي وَقَعَ فِي الزَّمَانِ المَاضِي فَهُوَ المَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَالوَاقِعُ فِي الزَّمَانِ المَاضِي غَيْرُهُ حِينَئِذٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَ، وَالأَصْلُ عَدَمُ التَّغَيُّرِ لِمَا وَقَعَ فِي الزَّمَنِ المَاضِي، فَعَادَ الأَمْرُ إِلَى أَنَّ الأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الحَالِ فِي الزَّمَنِ المَاضِي، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ طَرِيفًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ - إِلَّا أَنَّهُ طَرِيقُ جَدَلٍ لَا جَلَدٍ، وَالجَدَلِيُّ فَي طَرَائِقِ التَّحْقِيقِ سَالِكٌ عَلَى مَحَجَّةِ مَضِيقٍ، وَإِنَّمَا تَضْعُفُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إِذَا ظَهَرَ لَنَا تَغَيُّرُ الوَضْعِ ظَنًّا، وَأَمَّا إِذَا اسْتَوَى الأَمْرَانِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.

وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ بِالاقْتِرَانِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا المَكَانِ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ (( الفِطْرَةِ ) )لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ اسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ الخَمْسَةِ، فَلَو افْتَرَقَتْ فِي الحُكْمِ - أَعْنِي أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ لِإِفَادَةِ الوُجُوبِ، وَفِي بَعْضِهَا لِإِفَادَةِ النَّدْبِ - لَزِمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الوَاحِدِ فِي مَعْنَيَينِ مُخْتَلِفَينِ، وَفِي ذَلِكَ مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الأُصُولِ، وَإِنَّمَا تَضْعَفُ دَلَالَةُ الاقْتِرَانِ ضَعْفًا إِذَا اسْتَقَلَّتِ الجُمَلُ فِي الكَلَامِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الوَاحِدِ فِي مَعْنَيَينِ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (( لَا يَبُوَلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيْهِ مِنَ الجَنَابِةِ ) )، حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ اغْتِسَالَ الجُنُبِ فِي المَاءِ يُفْسِدُهُ، لِكَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالنَّهْيِ عَنِ البَوْلِ فِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

19 -الحَدِيثُ الأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيهُ فِى بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ: (( أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ) )، قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: (( سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمَنِ لَا يَنْجُسُ ) ).

(( الجَنَابَةُ ) )دَالَّةٌ عَلَى مَعْنَى البُعْدِ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: (وَالجَارُ الجُنُبُ) [النِّسَاءِ: 36] ، وَعَن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّما سُمِّيَ (( جُنُبًا ) )مِن المُخَالَطَةِ، وَمِن كَلَامِ العَرَبِ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ، إِذَا خَالَطَ امْرَأتَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَأَنَّ هَذَا ضِدٌّ لِلمَعْنَى الأَوَّلِ، كَأَنَّهُ مِن القُرْبِ مِنْهَا، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ مُخَالَطَتَهَا مُؤدِّيَةٌ إِلَى الجَنَابَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا البُعْدُ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.

وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: (( فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ ) )الانْخِنَاسُ: الانْقِبَاضُ وَالرُجُوعُ، وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ مِن المَعْنَى، يُقَالُ: (( خَنَسَ ) )لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا، فَمِن اللَازِمِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِن ذِكْرِ الشَّيْطَانِ، (( فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ خَنَسَ ) )، وَمِن المُتَعَدِّي مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (( وَخَنَسَ إِبْهَامَهُ ) )أَيْ قَبَضَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُقَالُ: (( أَخْنَسَهُ ) )فِي المُتَعَدِّي، ذَكَرَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ البَحْرَينِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ: (( فَانْبَجَسْتُ مِنْهُ ) )بِالجِيمِ، مِن الانْبِجَاسِ، وَهُو الانْدِفَاعُ، أَي انْدَفَعْتُ عَنْهُ، وَيُؤيِّدِهُ قَولُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: (( فانْسَلَلْتُ مِنْهُ ) )، وَرُوِيَ فِي هَذِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت