فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 381

الابتداءِ أقربُ. وأكثرُ الفقهاءِ علَى القولِ بهذَا الحديثِ، وأنَّهُ لا يُسنُّ رفعُ اليدينِ عندَ السُّجودِ. وخالفَ بعضُهمْ فِي ذلكَ. وقالَ: يَرفَعُ لحديثٍ وردَ فيهِ. وهذَا مقتضَى ما ذكرناهُ في القاعدةِ. وهوَ القولُ بإثباتِ الزِّيادةِ وتقديمِهَا على مَنْ نَفَاهَا أو سكتَ عنهَا. والذينَ تركُوا الرَّفعَ في السجودِ سلكُوا مسلكَ التَّرجيحِ لروايةِ ابنِ عمرَ في تركِ الرَّفعِ في السجودِ، والتَّرجيحُ إنَّما يكونُ عندَ التعارضِ، ولا تعارضَ بينَ روايةِ مَنْ أثبتَ الزِّيادةَ وبينَ مَنْ نفاهَا، أو سكتَ عنهَا، إلا أنْ يكونَ النَّفْيُ والإثباتُ مُنْحَصِرَينِ في جهةٍ واحدةٍ. فإن ادُّعيَ ذلكَ فِي حديثِ ابنِ عمرَ والحديثِ الآخرِ، وثبتَ اتِّحادُ الوقتينِ: فذاكَ.

87 -الحديثُ الخامسُ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَن أَسْجُدَ علَى سَبْعةِ أَعْظُمٍ: على الجَبْهَةِ ) )وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلى أَنْفِهِ (( وَالْيدَيْن، والرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَميْنِ ) ).

الكلامُ عليهِ من وجوهٍ.

الأوَّلُ: أنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى كلَّ واحدٍ منْ هذِه الأعضاءِ عظمًا باعتبارِ الجُملةِ، وإن اشتملَ كلُّ واحدٍ منهَا على عظامٍ. ويحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ من بابِ تسميةِِ الجُملةِ باسمِ بعضِها.

الثاني: ظاهرُ الحديثِ يدلُّ على وجوبِ السُّجودِ على هذهِ الأعضاءِ. لأنَّ الأمرَ للوجوبِ. والواجبُ عندَ الشافعيِّ منهَا الجبهةُ، لمْ يتردَّدْ قولُه فيهِ. واختَلَفَ قولُه في اليدينِ والرُّكبتينِ والقَدَمينِ. وهذا الحديثُ يدلُّ للوجوبِ. وقد رَجَّحَ بعضُ أصحابهِ عدمَ الوجوبِ. ولمْ أرَهُمْ عارضُوا هذَا بدليلٍ قويٍّ أقوَى مِن دلالتهِ فإنُّهُ استدلَ لعدمِ الوجوبِ بقولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثِ رِفاعةَ ثمَّ يَسْجُدُ فيُمَكِّنُ جبهَتَهُ )) وهذَا غايتُه: أنْ تكونَ دلالتُهُ دلالةَ مفهومٍ. وهو مفهومُ لقبٍ، أو غايةٍ. والمنطوقُ الدالُّ على وجوبِ السجودِ على هذهِ الأعضاءِ: مقدَّمٌ عليهِ. وليسَ هذَا من بابِ تخصيصِ العمومِ بالمفهومِ، كما مرَّ لنَا في قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا ) )مع قولِه: (( جُعِلَتْ لنَا الأرضُ مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لنَا طَهورًا ) )فإنَّهُ ثَمَّةَ يُعملُ بذلكَ العُمومِ من وجهٍ، إذَا قدَّمنَا دَلالةَ المفهومِ. وههنَا إذا قدَّمنَا دَلالةَ المفهومِ: أَسقطْنَا الدَّليلَ الدَّالَّ عَلَى وجوبِ السُّجودِ علَى هذِه الأعضاءِ - أعنِي اليدينِ والرُّكبتينِ والقدمينِ - معَ تناوُلِ اللَّفظِ لهَا بخصوصِهَا.

وأضعفُ مِنْ هذَا: ما استُدلَّ بهِ على عدمِ الوجوبِ من قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( سَجَدَ وَجْهِي للَّذِي خَلَقَهُ ) )قالُوا: فأضافَ السُّجودَ إلى الوجهِ. فإنهُ لا يلزمُ مِنْ إضافةِ السُّجودِ إلى الوجهِ انحصارُ السُّجودِ فيهِ.

وأضعفُ مِنْ هذَا: الاستدلالُ على عدمِ الوجوبِ بأنَّ مُسمَّى السُّجودِ يحصلُ بوضعِ الجبهةِ، فإنَّ هذَا الحديثَ يدلُّ على إثباتِ زيادةٍ على المُسمَّى، فلا تُتْرَكُ.

وأضعفُ منْ هذَا: المعارضةُ بقياسٍ شَبَهِيٍّ، ليسَ بقوىٍّ، مثلَ أن يقالَ: أعضاءٌ لا يجبُ كشفُها. فلا يجبُ وضعُها كغيرِها من الأعضاءِ، سوَى الجبهةِ.

وقد رجَّحَ المحامليُّ منْ أصحابِ الشَّافعيِّ القولَ بالوجوبِ. وهوَ أحسنُ عندنَا مِنْ قولِ مَن رجَّحَ عدمَ الوجوبِ.

وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّهُ إنْ سجدَ على الأنفِ وحدَهُ كفاهُ، وهوُ قولٌ في مذهبِ مالكٍ وأصحابِه.

وذهبَ بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ الواجبَ السُّجودُ على الجبهةِ والأنفِ معًا. وهوَ قولٌ في مذهبِ مالكٍ أيضًا. ويُحتجُّ لهذا المذهبِ بحديثِ ابنِ عباسٍ هذَا. فإنَّ في بعضِ طرقِه (( الجبهةُ والأنفُ معًا ) )وفي هذِه الطَّريقِ التي ذكرهَا المصنِّفُ (( الجبهةُ، وأشارَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت