أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَملِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )) .
يَسْتَدِلُّ بِه مَن يُرَجِّحُ النكاحَ عَلَى التخلِّي لنوافلِ العباداتِ؛ فإن هؤلاءِ القومَ قَصَدُوا هذا القصدَ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ردَّهُ عليهم، وَأَكَّدَ ذلكَ بأن خلافَه رغبةٌ عن السُّنَّةِ، ويَحْتَمِلُ أن تكونَ هذه الكراهةُ للتنَطُّعِ، والغُلُوِّ فِي الدينِ، وقد يَخْتَلِفُ ذلك باختلافِ المَقَاصِدِ، فإن مَن تركَ اللحمَ - مثلًا - يَخْتَلِفُ حُكْمُه بالنسبةِ إلى مقصودِه، فإن كانَ مِن بابِ الغُلُوِّ والتنَطُّعِ والدخولِ فِي الرهبانيَّةِ فهو ممنوعٌ، مُخَالِفٌ للشرعِ، وإن كانَ لغيرِ ذلكَ مِن المقاصدِ المَحْمُودَةِ، كَمَنْ تَرَكَهُ تَوَرُّعًا لقيامِ شبهةٍ فِي ذلكَ الوقتِ فِي اللحومِ، أو عَجْزًا، أو لِمَقْصُودٍ صحيحٍ غيرِ مَا تَقَدَّمَ، لم يكنْ ممنوعًا.
وظاهرُ الحديثِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِن تقديمِ النكاحِ، كما يقولُه أبو حنيفةَ، ولا شكَّ أن الترجيحَ يَتْبَعُ المصالحَ، ومَقَادِيرُها مُخْتَلِفَةٌ، وصاحبُ الشرعِ أعلمُ بتلكَ المقاديرِ، فإذا لم يَعْلَم المُكَلَّفُ حَقِيقَةَ تلك المصالحِ، ولم يَسْتَحْضِرْ أعدادَها، فالأَوْلَى اتِّبَاعُ اللفظِ الواردِ فِي الشرعِ.
305 -الحديثُ الثالثُ: عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( رَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا ) ).
(( التَّبَتُّلُ ) )تَرْكُ النِّكاحِ، وَمِنْهُ قيلِ لمريمَ , عليهاالسَّلامُ: (( الْبَتُولُ ) )، وحديثُ سعدٍ أيضًا مِن هذا البابِ؛ لأن عثمانَ بنَ مظعونٍ ممَّن قَصَدَ التبَتُّلَ والتخلِّيَ للعبادةِ، ممَّا هو داخلٌ فِي بابِ التنَطُّعِ والتشبُّهِ بالرهبانيَّةِ، إلا أن ظاهرَ الحديثِ يقتضي تعليقَ الحُكْمِ بمُسَمَّى (( التَّبَتُّلِ ) )، وقد قَالَ اللهُ تعالى فِي كتابِه العزيزِ: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل: 8] ، فلابدَّ أن يكونَ هذا المأمورُ به فِي الآيةِ غيرَ المَرْدُودِ فِي الحديثِ؛ لِيَحْصُلَ الجمعُ، وكأنَّ ذلك إشارةٌ إلى ملازمةِ التعَبُّدِ أو كَثْرَتِه، لِدَلَالَةِ السياقِ عَلَيْهِ، من الأمرِ بقيامِ الليلِ، وَتَرْتِيلِ القرآنِ والذكرِ، فهذه إشارةٌ إلى كثرةِ العباداتِ، ولم يُقْصَدْ مَعَها تَرْكُ النكاحِ، ولا أَمَرَ به، بل كانَ النكاحُ موجودًا مع هذا الأمرِ، ويكونُ ذلكَ (( التَّبَتُّلُ ) )المردودُ مَا انضمَّ إليه معَ ذلك - من الغُلُوِّ فِي الدينِ، وتَجَنُّبِ النكاحِ وغيرِه - مما يدخلُ فِي بابِ التشديدِ عَلَى النفسِ بالإجحافِ بها، ويُؤْخَذُ من هذا مَنْعُ مَا هو داخلٌ فِي هذا البابِ وَشِبْهِهِ، ممَّا قد يَفْعَلُه جماعةٌ مِن المُتَزَهِّدِينَ.
306 -الحديثُ الرَّابعُ: عن أُمِّ حَبِيبَةَ بنتِ أَبِي سُفيانَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: (( يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: أَوَتحبيِّنَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لِي، قَالَتْ: إِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتي فِي حِجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابَنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلاَ أَخَوَاتِكُنَّ ) ).
قَالَ عُرْوَةُ: (( وَثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لأَبِي لَهَبٍ، أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَت النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ، رَآهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ خِيَبَةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكَمُ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ ) )الْخِيبَةُ: