النَّيابةِ. وربَّما حكاهُ بعضُهم وجهًا فِي الصَّلاةِ. فإن صحَّ ذلكَ فقدْ يستدلُّ بعمومِ هذا التَّعليلِ.
194 -الحديثُ التَّاسعُ: عن سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ، رضيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: (( لا يَزَالُ النَّاسُ بِخْيرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ ) ).
تعجيلُ الفطرِ بعدَ تَيَقُّنِ الغُروبِ: مستحبٌّ باتفاقٍ. ودليلُه هذا الحديثُ. وفيهِ دليلٌ على المتشيِّعةِ، الذينَ يؤخِّرونَ إِلَى ظهورِ النَّجمِ. ولعلَّ هذا هوَ السَّبَبُ فِي كونِ النَّاسِ لا يزالونَ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطرَ؛ لأنهمْ إذَا أخَّروهُ كانوا دَاخِلينَ فِي فعلِ خلافِ السُّنَّةِ. ولا يزالونَ بخيرٍ ما فَعَلُوا السُّنَّةَ.
195 -الحديثُ العاشرُ: عنْ عمرَ بنِ الخَطابِ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا أَقْبَلَ الْلَيلُ مِن هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ) ).
(( الإقبالُ، والإدبارُ ) )متلازمانِ. أعني إقبالَ الْلَيلِ وإدبارَ النَّهارِ. وقدْ يكونُ أحدُهما أظهرَ للعينِ فِي بعضِ المواضعِ. فيستدلُّ بالظَّاهرِ على الخفيِّ، كما لو كانَ فِي جهةِ المغربِ ما يسترُ البصرَ عن إدراكِ الغروبِ. وكانَ المشرقُ بارزًا ظاهرًا فيستدلُّ بطلوعِ الْلَيلِ على غروبِ الشَّمسِ.
وقولُهُ عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( فقدْ أفطرَ الصَّائمُ ) )يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ: فقدْ حلَّ لهُ الفطرُ. ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ: فقدْ دخلَ فِي الفِطرِ. وتكونُ الفائِدَةُ فيهِ: أنَّ الْلَيلَ غيرُ قابلٍ للصَّومِ. وأنَّهُ بنفسِ دخولِهِ خرجَ الصَّائمُ من الصومِ, وتكونُ الفائدةُ على الوجهِ الأوَّلِ: ذكرَ العَلَامَةِ التِي بها يحصلُ جوازُ الإفطارِ. وعلى الوجه الثَّاني: بيانُ امتناعِ الوصالِ، بمعنَى الصَّومِ الشَّرعيِّ، لا بمعنَى الإِمسَاكِ الحِسِّي. فإنَّ منْ أمْسَكَ حسًّا فهو مفطرٌ شرعًا. وَفِي ضمنِ ذلكَ: إبطالُ فائدةِ الوِصالِ شرعًا. إذ لاَ يحصلُ بهِ ثوابُ الصَّومِ.
196 -الحديثُ الحادِي عشرَ: عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، رضيَ اللهُ عنهمَا، قالَ: نَهَى رسولُ اللهِِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الوِصَالِ، قالوا: إِنَّكَ تُوَاصلُ، قال: (( إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكم، إِنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى ) )، وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيرَةَ وَعَائِشَةُ وَأَنَسُ بْنُ مالِكٍ.
197 -ولمُسلمٍ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، رضيَ اللهُ عنهُ: (( فأيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصلَ فَلْيُواصِلْ إِلَى السَّحَرِ ) ).
فِي الحديثِ دليلٌ على كراهةِ الوصالِ. واختلفَ الناسُ فيهِ. ونُقِلَ عن بعضِ المتقدِّمين فِعلُه. ومِن الناسِ مَن أجازَه إِلَى السَّحَرِ علَى حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ.
وَفِي حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ: دليلٌ على أنَّ النَّهيَ عنْهُ نهيُ كراهةٍ، لا نهيُ تحريمٍ. وقد يقالُ: إنَّ الوصالَ المنهىَّ عنهُ: ما اتَّصلَ باليومِ الثَّانِي. فلا يتناولُهُ الوصالُ إِلَى السَّحرِ، فإنَّ قَوْلَهُ عليهِ السَّلامُ: (( فَأَيُّكُمْ أرادَ أن يواصِلَ فليواصلْ إِلَى السَّحَرِ ) )يقتضِي تسميتَهُ وصالًا. والنَّهيُ عن الوِصالِ يمكنُ تعليلُه بالتعريضِ بصومِ اليومِ الثانِي، فإن كانَ واجبًا كان بمثابةِِ الحِجَامَةِ والفَصْدِ وسائرِ ما يتعرَّضُ لإبطالِ مَا شرعَ فيهِ مِن العبادةِ. وإبطالُها إما ممنوعٌ - على مذهبِ بعضِِ الفقهاءِ - وإمَّا مكروهٌ.