تركهِ لمجردِ احتمالِ الخصوصِ، مَعَ مَا عُرفَ فِي الشَّرعِ من محبةِ التفاؤلِ.
وفيه دليلٌ عَلَى تقديمِ الدُّعاءِ عَلَى الصَّلاةِ، ولمْ يُصرِّحْ بلفظِ الخطبةِ، والخطبةُ عندَ مالكٍ والشَّافعيِّ بعدَ الصَّلاةِ، وفيه حديثٌ عن أبي هريرةَ يقتضيهِ.
وفيه دليلٌ عَلَى استقبالِ القبلةِ عندَ الدُّعاءِ مُطلقًا.
وفيه دليلٌ عَلَى الجهرِ فِي هَذِهِ الصَّلاةِ، والتحويلُ المذكورُ فِي الحديثِ يُكتفَى فِي تحصيلِ مسمَّاهُ بمجرَّدِ القلبِ من اليمينِ إِلَى اليسارِ، واللهُ أعلمُ.
153 -الحديثُ الثَّاني: عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعِة مِنْ بابٍ كَانَ نَحْو دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السّبُلُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالَى يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (( اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا ) )، قَالَ أنَسٌ: فَلاَ وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّماءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وبين سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فلمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلاَ واللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمعةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السّبُلُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (( اللهُمَّ حَوَاليْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ) )، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي.
قَالَ رحمهُ اللهُ: (( الظِّرَابُ ) )الْجِبَالُ الصِّغَارُ.
هَذَا هُوَ الحديثُ الَّذِي أشرنَا إِلَيْهِ أنهُ استُدلَّ بِهِ لأبي حنيفةَ فِي تركِ الصَّلاةِ، وَالَّذِي دلَّ عَلَى الصَّلاةِ واستحبابِها لاَ يُنافي أنْ يقعَ مجرَّدُ الدُّعاءِ فِي حالةٍ أُخرَى، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الَّذِي جرَى فِي الجمعةِ مجرَّدَ دعاءٍ، وَهُوَ مشروعٌ، حيثمَا احتيجَ إِلَيْهِ، وَلاَ ينافِي شرعيةَ الصلاةِ فِي حالةٍ أُخرَى إِذَا اشتدَّتِ الحاجةُ إليها.
وَفِي الحديثِ علَمٌ من أَعْلاَمِ النُّبوَّةِ فِي إجابةِ اللهِ تَعَالَى دُعاءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقيبَهُ أَوْ مَعَهُ، وأرادَ بالأموالِ الأموالَ الحيوانيَّةَ، لأنهَا التي يؤثِّرُ فيهَا انقطاعُ المطرِ، بخلافِ الأموالِ الصَّامتةِ، و (( السُّبلُ ) )الطُّرقُ, وانقطاعُها إِمَّا بعدمِ المياهِ التي يعتادُ المسافرُ ورودَها، وَإِمَّا باشتغالِ الناسِ وشدَّةِ القَحْطِ عَنِ الضَّربِ فِي الأرضِ.
وفيه دليلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رفعِ اليدينِ فِي دُعاءِ الاستسقاءِ, فمِن النَّاسِ مَن عَدَّاه إِلَى كلِّ دعاءٍ، ومنهمْ من لم يُعدِّهِ، لحديثٍ عن أنسٍ يقتضي ظاهرُه عدمَ عمومِ الرفعِ لِمَا عدَا الاستسقاءِ، وَفِي حديثٍ آخرَ استثناءُ ثلاثةِ مواضعَ، مِنْهَا الاستسقاءُ، ورؤيةُ البيتِ، وَقَدْ أُوِّلَ ذَلِكَ عَلَى أنْ يكونَ المرادُ رفعًا تامًّا فِي هَذِهِ المواضعِ، وَفِي غيرِها دونهُ، بدليلِ أنه صحَّ رفعُ اليدينِ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غيرِ تلكَ المواضعِ، وصنَّفَ فِي ذَلِكَ شيخُنا أبو محمدٍ المنذريُّ، رحمه اللهُ، جُزءًا قرأتُه عَلَيْهِ.