فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 381

فِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الاسْتِنَابَةِ فِي القيامِ عَلَى الهديِ وذبحِه، والتصدُّقِ بِهِ، وقولُه: (( وأنْ أتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا ) ). يدلُّ عَلَى التصدُّقِ بالجميعِ، وَلاَ شكَّ أَنَّهُ أفضلُ مطلقًا، وواجبٌ فِي بَعْضِ الدماءِ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى أن الجلودَ تَجْرِي مَجْرَى اللحمِ فِي التصدُّقِ؛ لأنها من جملةِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُهُ.

وقولُه: (( أن لاَ أُعْطِيَ الجزارَ مِنْهَا شَيْئًا ) ). ظاهرُه عدمُ الإعطاءِ مطلقًا بكلِّ وجهٍ، وَلاَ شكَّ فِي امتناعِه إِذَا كَانَ المُعْطَى أجرةَ الذبحِ؛ لأنه مُعَاوَضَةٌ ببعضِ الهديِ، والمُعَاوَضَةُ فِي الأخرى كالبيعِ، وَأَمَّا إِذَا أُعْطِيَ الأجرةَ خارجًا عن اللحمِ المُعْطَى، وَكَانَ اللحمُ زائدًا عَلَى الأجرةِ، فالقياسُ أن يجوزَ، ولكنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( نَحْنُ نُعْطِيهِ مِن عِنْدِنَا ) ). وأَطْلَقَ المنعَ مِن إعطائِه مِنْهَا، ولم يقيِّد المنعَ بالأجرةِ، وَالَّذِي يُخْشَى مِنْهُ فِي هَذَا أنْ تقعَ مُسَامَحَةٌ فِي الأجرةِ؛ لأجلِ مَا يَأْخُذُه الجَازِرُ مِن اللحمِ، فيعودُ إِلَى المُعَاوَضَةِ فِي نفسِ الأمرِ، فَمَن يميلُ إِلَى المنعِ مِن الذرائعِ يَخْشَى مِن مثلِ هَذَا.

239 -الحديثُ الخامسُ: عن زيادِ بنِ جُبيرٍ، قَالَ: (( رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ، فَنَحَرَهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ).

فِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ نحرِ الإبلِ مِن قيامٍ، ويشيرُ إليه قولُه تَعَالَى:) فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) [الحج: 36] ، أي: سَقَطَتْ، وَهُوَ يُشْعِرُ بكونِها كَانَتْ قائمةً.

وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ أن تكونَ مَعْقُولَةً، ووَرَدَ فِي حديثٍ صحيحٍ مَا يدلُّ عَلَى أنْ تكونَ معقولةَ اليدِ اليسرى، وبعضُهم سَوَّى بَيْنَ نحرِها بَارِكَةً وقائمةً، ونُقِلَ عن بعضِهم أَنَّهُ قَالَ: تُنْحَرُ بَارِكَةً، والسُّنَّةُ أَوْلَى.

بابُ الغُسْلِ للمُحْرِمِ

240 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عبدِ اللّهِ بنِ حُنَيْنٍ، (( أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ، اخْتَلَفَا بالأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لاَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ قَالَ: فَأَرْسَلَني ابنُ عَبَّاسٍ إِلَى أبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ابنُ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتسِلُ ) ).

وَفِي روايةٍ: (( فَقَالَ المِسْوَرُ لابنِ عَبَّاسٍ: لاَ أُمَارِيكَ أَبَدًا ) ). (( القَرْنَانِ ) )العَمُودَانِ اللَّذَاَنِ تُشَدُّ فِيهِمَا الْخَشَبَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَيْهَا البَكَرَةُ.

(( الأَبْوَاءِ ) )بفتحِ الهمزةِ، وسكونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ والمَدِّ: موضعٌ مُعَيَّنٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمدينةِ.

وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى جوازِ المُنَاظَرَةِ فِي مسائلِ الاجتهادِ، والاختلافِ فِيْهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظنِّ المُخْتَلِفِينَ فِيْهَا حكمٌ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى الرجوعِ إِلَى مَن يُظَنُّ بِهِ أن عندَه علمًا فيما اخْتُلِفَ فِيْهِ.

وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى قبولِ خبرِ الواحدِ، وأن العملَ بِهِ سائغٌ شائعٌ بَيْنَ الصحابة؛ لأنَ ابنَ عبَّاسٍ أرسلَ عبدَ اللهِ بنَ حُنَيْنٍ؛ لِيَسْتَعْلِمَ لَهُ علمَ المَسْأَلَةِ، ومِن ضرورتِه قبولُ خبرِه عن أبِي أيُّوبَ فيما أُرْسِلَ فِيْهِ، و (( القَرْنَانِ ) )فسَّرَهُما المصنِّفُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت