وقد عَظَّمَ الشَّارعُ أمرَ القلبِ لصدورِ الأفعالِ الاختياريَّةِ عنهُ، وعمَّا يقومُ بهِ من الاعتقاداتِ والعلومِ. وَرَتَّبَ الأمرَ فيهِ على الْمُضْغَةِ، والمرادُ الْمُتَعَلَّقُ بهَا. ولا شكَّ أنَّ صلاحَ جميعِ الأعمالِ باعتبارِ الْعِلْمِ أو الاعتقادِ بِالْمَفَاسِدِ والمصالحِ.
380 -الحديثُ الثَّانِي: عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا. وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا. فَقَبِلَهُ.
يُقَالُ:"لَغَبُوا"إذَا أَعْيَوْا. و"أَنْفَجْتُ الْأَرْنَبَ"بفتحِ الهمزةِ وسكونِ النُّونِ وفتحِ الفاءِ وسكونِ الجيمِ، فَنَفَجَ أيْ: أَثَرْتُهُ فثارَ. كأنَّه يقولُ: أَثَرْنَاهُ، وَذَعَرْنَاهُ فَعَدَا. و"مَرُّ الظَّهْرَانِ"موضعٌ معروفٌ.
والحديث ُدليلٌ على جوازِ أكلِ الأرنبِ فإنَّه إنَّما يُنْتَفَعُ ببعضِهَا إذَا ذُبِحَتْ بالأكلِ، وفيهِ دليلٌ على الهديَّةِ وقبولِهَا.
381 -الحديثُ الثَّالثُ: عن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَت: نَحَرْنَا على عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وسلَّمَ فَرَسًا فَأَكْلَنَاهُ"."
وفى روايةٍ"وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ".
382 -الحديثُ الرَّابعُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ نهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأْهْلِيَّةِ. وَأَذِنَ في لُحُومِ الْخَيْلِ.
383 -ولمسلمٍ وحدَهُ، قالَ:"أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ. وَنَهَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ عَنِ الْحِمارِ الأَهْلِيِّ."
يَسْتَدِلُّ بهذيْنِ الحديثيْنِ مَن يَرَى جوازَ أكلِ الخيلِ. وهوَ مَذْهَبُ الشَّافعِيِّ وغيرِهِ. وَكَرِهَهُ مالكٌ وأبُو حنيفةَ. واختلفَ أصحابُ أبِي حنيفةَ: هل هيَ كراهةُ تنزيهٍ، أو كراهةُ تحريمٍ؟ والصحيحُ عندهُمْ: أنَّها كراهةُ تحريمٍ. واعتذرَ بعضُهُمْ عن هذا الحديثِ -أعنِي بعضَ الحنفيَّةِ- بأنْ قالَ: فِعْلُ الصَّحابيِّ في زمنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ إنَّما يكونُ حُجَّةً إذا عَلِمَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ وفيهِ شكٌّ، على أنَّه مُعَارَضٌ بقولِ بعضِ الصَّحابةِ: إِنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ حَرَّمَ لحومَ الخيلِ. ثم إنْ سَلِمَ عن الْمُعَارِضَ ولكن لا يَصِحُّ التعلُّقُ بهِ في مقابلةِ دلالةِ النَّصِّ. وهذا إشارةٌ إلى ثلاثةِ أَجْوِبَةٍ.
فأمَّا الأوَّلُ: فإنَّما يَرِدُ على هذه الرِّوايةِ والرِّوايةِ الأخرَى لجابرٍ. وأمَّا الرِّوايةُ الَّتي فيهَا:"وَأَذِنَ في لحومِ الخيلِ"فلا يَرِدُ عليها التعلُّقُ، وأمَّا الثَّانِي -وهوَ المعارَضَةُ بحديثِ التَّحريمِ- فإنَّما نعرِفُهُ بلفظِ النَّهْيِ، لا بلفظِ التَّحريمِ، من حديثِ خالدِ بنِ الوليدِ، وفي ذلكَ الحديثِ كلامٌ يُنْقَضُ به عن مقاومةِ هذا الحديثِ عِنْدَ بعضِهِمْ، وأمَّا الثَّالثُ: فإنَّما أرادَ بدلالةِ الكتابِ قولَهُ تعالَى (وَالْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) (16: 8) ووجهُ الاستدلالِ: أنَّ الآيةَ خرجَتْ مخرجَ الاِمْتِنَانِ بذكرِ النِّعَمِ، على مَا دَلَّ عليهِ سياقُ الآياتِ الَّتي في سورةِ النَّحلِ. فذكرَ اللهُ تعالَى الِامْتِنَانَ بنعمةِ الرُّكوبِ والزِّينةِ في الخيلِ والبغالِ والْحَمِيرِ، وَتَرَكَ الِامْتِنَانَ بنعمةِ الأكلِ كمَا ذكرَ في الأنعامِ، ولو كانَ الأكلُ ثابتًا، لمَا تَرَكَ الِامْتِنَانَ بهِ؛ لأنَّ نعمةَ الأكلِ في جنسِهَا فَوْقَ نعمةِ الرُّكوبِ والزِّينةِ. فإنَّه يَتَعَلَّقُ بها البقاءُ بغيرِ واسطةٍ. ولا يَحْسُنُ تَرْكُ الامتنانِ بأعلَى النِّعمتيْنِ وذِكْرُ الِامْتِنَانِ بأدنَاهِمَا. فدَلَّ تَرْكُ الِامْتِنَانِ بالأكلِ على الْمَنْعِ منهُ. ولا سيِّمَا وقد ذُكِرَتْ نعمةُ الأكلِ في نظائرِهَا من الأنعامِ، وهذا -وإنْ كانَ استدلالًا حَسَنًا- إلا إنَّه يُجَابُ عنهُ من وجهيْنِ:
أحدُهُمَا: ترجيحُ دلالةِ الحديثِ على الإباحةِ على هذا الوجهِ من الاستدلالِ من حَيْثُ قوَّتِهِ بالنِّسبةِ إلى تلكَ الدَّلالةِ.
الثَّانِي: أنْ يُطَالَبَ بوجهِ الدلالةِ على عينِ التحريمِ. فإنَّما يُشْعِرُ بتَرْكِ الأكلِ، وتَرْكُ الأكلِ أعمُّ من كونِهِ متروكًا على سبيلِ الْحُرْمَةِ، أو على سبيلِ الكراهَةِ.