المراقبةِ لفعلِ اللهِ، وتجريدِ الأسبابِ العاديةِ عَن تأثيرِهِا لمسبَّباتِهَا.
وفيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الإِخبارِ بِمَا يوجبُ الظَّنَّ مِن شاهدِ الحالِ، حَيْثُ قَالَ: فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ, مَعَ أن الفزَعَ محتملٌ أنْ يكونَ لِذَلِكَ، ومحتملٌ أنْ يكونَ لغيرِه، كَمَا خَشِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرِّيحِ أنْ تكونَ كريحِ قومِ عادٍ، ولم يُخبَرْ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّهُ كَانَ سببَ خوفِه، فالظاهرُ أنه بنَى عَلَى شاهدِ الحالِ أَوْ قرينةٍ دلَّتْهُ عَلَيْهِ.
وقولهُ: كأطولِ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ, دليلٌ عَلَى تطويلِه السجودَ فِي هَذِهِ الصَّلاةِ، وَهُوَ الَّذِي قدَّمنَا أنَّ أبا موسَى رواهُ، وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى أنَّ سنَّةَ صَلاةِ الكُسوفِ فِي المسجدِ، وَهُوَ المشهورُ عنِ العلماءِ، وخَيَّرَ بعضُ أصحابِ مالكٍ بَيْنَ المسجدِ والصحْراءِ، والصوابُ المشهورُ الأوَّلُ، فإنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تنتهِي بالانجلاءِ، وَذَلِكَ مُقتضٍ لأنْ يُعتنَى بمعرفةِ ومراقبةِ حالِ الشَّمسِ فِي الانجلاءِ، فلولاَ أنَّ المسجدَ راجحٌ لكانتْ الصَّحراءُ أولَى، لأنهَا أقربُ إِلَى إدراكِ حالِ الشَّمسِ فِي الانجلاءِ أَوْ عدمِه، وأيضًا فإنهُ يُخافُ مِن تأخيرِهَا فواتُ إقامتِهَا بأنْ يشرَعَ الانجلاءُ قبلَ اجتماعِ النَّاسِ وبروزِهِمْ.
وَقَدْ تقدَّمَ الكلامُ عَلَى قولهِ عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ: (( لاَ يخسفانِ لموتِ أحدٍ وَلاَ لحياتِه ) )وأنهُ ردٌّ عَلَى من اعتقدَ ذَلِكَ.
وَفِي قولِه: (( فافزعُوا ) )إشارةٌ إِلَى المبادرةِ إِلَى مَا أمرَ بِهِ، وتنبيهٌ عَلَى الالتجاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عندَ المخاوفِ بالدُّعاءِ والاستغفارِ، وإشارةٌ إِلَى أنَّ الذنوبَ سببٌ للبلايَا والعقوباتِ العاجلةِ أَيْضًا، وأنَّ الاستغفارَ والتوبةَ سببانِ للمحوِ، يُرجَى بهما زوالُ المخاوفِ.
152 -الحديثُ الأولُ: عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ المازنيِّ، قَالَ: خَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صلَّى رَكْعَتْينِ، جَهَرَ فيهما بِالْقِراءَةِ.
وَفِي لفظٍ: (( إِلَى المُصَلَّى ) ).
فيه دليلٌ عَلَى استحبابِ الصلاةِ للاستسقاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جمهورِ الفقهاءِ، وعندَ أبي حنيفةَ: لاَ يصلَّى للاستسقاءِ، ولكن يُدعَى، وخالفهُ أصحابُه، فوافقُوا الجماعةَ، وقالوا: تُصلَّى فيه ركعتانِ بجماعةٍ، واستدلَّ لأبي حنيفةَ باستسقاءِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المنبرِ يَوْمَ الجمعةِ، ولم يُصلِّ للاستسقاءِ، قالوا: لَوْ كانتْ سُنَّةً لمَا تركها.
وفيه دليلٌ عَلَى أنَّ سُنَّةَ الاستسقاءِ البروزُ إِلَى المصلَّى.
وفيه دليلٌ عَلَى استحبابِ تحويلِ الرِّداءِ فِي هَذِهِ العبادةِ، وخالفَ أبو حنيفةَ فِي ذَلِكَ، وقيلَ: إنَّ سببَ التَّحويلِ التفاؤُلُ بتغييرِ الحالِ، وَقَالَ مَن احتجَّ لأبِي حنيفةَ: إِنَّمَا قلبَ رداءَهُ ليكونَ أثبتَ عَلَى عاتقِه عندَ رفعِ اليدينِ فِي الدُّعاءِ، أَوْ عرفَ مِن طريقِ الوحيِ تغيُّرَ الحالِ عندَ تغييرِ ردائه.
قُلْنَا: القلبُ مِن جهةٍ إِلَى أخرَى، أَوْ مِن ظهرٍ إِلَى بطنٍ، لاَ يقتضِي الثبوتَ عَلَى العاتقِ، بل أيُّ حالةٍ اقتضت الثبوتَ أَوْ عدمَه فِي إحدَى الجهتينِ، فَهُوَ موجودٌ فِي الأُخرَى، وإن كَانَ قَدْ قربَ مِنَ السُّقوطِ فِي تلكَ الحالِ، فيُمكنُ أن يثبتَهُ مِن غيرِ قلبٍ، والأصلُ عدمُ مَا ذُكرَ من نزولِ الوحيِ بتغيِّرِ الحالِ عندَ تغييرِ الرِّداءِ، والاتباعُ لفعلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولَى من