فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 381

هذا اللَّفْظُ الَّذي فُسِّرِ به"الشِّغارُ"تَبَيَّنَ في بعضِ الرِّواياتِ أنَّه مِن كلامِ نَافِعٍ. و"الشِّغَارُ"بكسرِ الشِّينِ وبالغينِ المُعْجَمَةِ: اخْتَلَفُوا في أصلِهِ في اللُّغةِ. فقِيلَ: هو مِن شَغَرَ الكلبُ: إذا رَفَعَ رِجْلَهُ لِيَبُولَ، كأنَّ العاقِدَ يقولُ: لا تَرْفَعْ رِجْلَ ابْنَتِي حتى أَرْفَعَ رِجْلَ ابْنَتِكَ. وقِيلَ: هوَ مَأْخُوذٌ مِن شَغَرَ البلدُ: إذا خلاَ، كأنّهَ سُمِّيَّ بذلكَ للشُّغُورِ عن الصَّداقِ.

والحديثُ صريحٌ في النَّهْيِ عن نِكَاحِ الشِّغارِ. واتّفقَ العلماءُ على المنْعِ منه. واخْتَلَفُوا - إذا وقَعَ- في فسادِ العقْدِ. فقَال بعضُهمْ: العقدُ صحيحٌ، والواجبُ مهرُ المِثْلِ. وقالَ الشافعيُّ: العقدُ باطلٌ. وعندَ مالكٍ فيه تَقْسِيمٌ, ففي بعضِ الصُّورِ العَقْدُ باطِلٌ عندَه. وفي بعضِ الصُّورِ: يُفْسَخُ قبلَ الدُّخولِ، وَيثْبُتُ بعدَه.

وهو ما إذا سُمِّيَ الصَّداقُ في العقْدِ بِأنْ يقولَ: زوَّجْتُك ابنِتي بكذا على أن تُزَوِّجَني ابنَتكَ بِكَذَا، وبُضْعُ كلٍّ منهما صَدَاقُ الأخْرَى، ومهمَا انعقدَ لِي نِكاحُ ابنتِكَ انْعقَدَ لَكَ نِكاحُ ابنِتي. ففي هذه الصُّورةِ:

وُجُوهٌ مِنِ الفسادِ. منها تَعْلِيقُ العقدِ. ومنْها: التَّشريِكُ في البُضْعِ. ومنها: اشْتِرَاطُ هَدْمِ الصَّداقِ، وهوَ مُفْسِدٌ عندَ مالكٍ، ولا خلافَ أنَّ الحُكمَ لا يَخْتَصُّ بِمَن ذُكِرَ في الحديثِ، وهو"الابنةُ"بل يَتَعَدَّى إلى سائرِ المُولِّياتِ.

وتفسيرُ نافعٍ وقولُه:"ولا صداقَ بينهُمَا"يُشْعِرُ بأنَّ جَهَةَ الفسادِِ: ذلكَ. وإنْ كان يُحتَمَلُ أن يكونَ ذَكَرَ ذلِكَ لِمُلَازَمَتِه لجِهَةِ الفسادِ.

وعلى الجُمْلَةِ: ففيه إشْعارٌ بأنَّ عَدَمَ الصَّداقِِ له مَدْخلٌ في النَّهْيِ.

309 -الحديثُ الثَّامنُ: عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي اللهُ عَنْه: أن النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ:"نَهَى عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ".

"نِكَاحُ المُتْعةِ"هو تَزَوُّجُ الرَّجلِ المرأةَ إلى أجلٍ. وقدْ كانَ ذلِكَ مُبَاحًا ثم نُسِخَ. والرِّواياتُ تدُلُّ على أنَّهُ: أُبِيحَ بعدَ النَّهْيِ، ثُمَّ نُسِختِ الإباحَةُ؛ فإنَّ هذا الحديثَ عنْ عليٍّ رضي اللهُ عنه يدُلُّ على النَّهْيِ عنها يْومَ خيْبرَ، وقد وردَتْ إباحتُه عامَ الفتحِ، ثُمَّ النَّهْيُ عنْها. وذلِكَ بعدَ يومِ خيْبَرَ.

وقدْ قِيلَ: إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رجَعَ عنِ القولِ بإباحتِها، بعدَما كانَ يقولُ بِه، وفقهاءُ الأمصارِ كلُّهم على المنْعِ، وما حكَاهُ بعضُ الحنَفَّيةِ عن مالكٍ من الجوازِ فهو خطأٌ قطعًا. وأكثرُ الفقهاءِِ على الاقتصارِ في التَّحريِمِ على العقْدِ المُؤَقَّتِ. وعدَّاه مالِكٌ بالمعنىَ إلى تَوْقِيتِ الحِلِّ، وإن لم يكنْ عقَدَ فقالَ: إذا علَّقَ طلاقَ امرأتِه بوقتٍ لابُدَّ مِن مجِيئهِ: وقعَ عليها الطَّلاقُ الآنَ، وعلَّلَه أصحابُه بأنَّ ذلك تَأْقِيتٌ للحِلِّ، وَجَعَلُوه في معنَى نِكاحِ المُتْعَةِ.

وأمَّا"لحُومُ الحُمُرِ الأهليَّةِ"فَإنَّ ظاهِرَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وهو قولُ الجمهورِ وفي طريقةٍ للمالكيَّةِ أنَّه مكْرُوهٌ، مُغَلَّظُ الكَرَاهَةِ، ولم يُنْهُوهُ إلى التَّحْريِمِ. والتَّقييدُ بالأهْليَّةِ: يُخْرِجُ الحُمُرَ الوحشيَّةَ. ولا خلافَ في إباحتِها.

310 -الحديثُ التَّاسِعُ: عن أبي هريرةَ رضي الله عنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ"لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حتى تُسْتَأْذَنَ. قالُوا: يا رسولَ اللهِ، فَكَيْف إذْنُهَا قالَ: أَنْ تَسْكُتَ".

كأَنَّه أُطْلِقَتِ"الأَيِّمُ"ههُنَا بِإزاءِ الثَّيِّبِ، و"الاسْتِئْمارُ"طَلَبُ الأمْرِ و"الاستئْذانُ"طَلَبُ الإذْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت